يمسك البطريرك بشارة الراعي بيد أسرة «السفير». وعبرها يخاطب الإعلام: أنتم الرسل والبرج الذي يراقب وينشر الوعي والثقافة للناس.. تعالوا لنفكر معاً. «لبنان في النفق»، على ما يرى بطريرك الموارنة. الوقت يداهم للقيام بمبادرة معينة «للخروج الى النور». «حرام ايصال الوطن الى هذه الحالة الحزينة»، يقول كاشفا عن ورقة ثوابت «علها تحث على التفكير». كل هذه الهواجس تسكن «سيدنا» منذ مدة. بدأت بكركي كتابة الحروف الأولى منذ آب الماضي. أما الاعلان فهو يوم الأربعاء المقبل. لن يتلى بيان عقب اجتماع مجلس المطارنة الموارنة الشهري إنما سيستبدل بـ«وثيقة وطنية». يكشف الكاردينال الراعي لـ"السفير" أن الوثيقة سترتكز على مقومات ثلاثة هي: الثوابت الوطنية، الهواجس والأولويات. وتشكل هذه الوثيقة، المؤلفة من 8 إلى 10 صفحات «فولسكاب»، ثمرة سلسلة طويلة من اللقاءات مع المسؤولين اللبنانيين كافة وعلى المستويات كافة. هذا ليس بجديد على البطريركية المارونية التي دأبت على المبادرة لاصدار مذكرات وطنية في الأوقات المفصلية من تاريخ لبنان. يقول البطريرك الراعي: على الرئيس المقبل ان يعد البلاد لدخول زمن مئوية اعلان دولة لبنان الكبير بعد 6 سنوات. لم يعد لبنان كما كان ساعة ولادته. علينا تهيئة انطلاقة جديدة للخروج من النفق. تحضر وجوه الناس التي تستقبله بفرح ورجاء في لبنان وخارجه دائماً في ذهن البطريرك. هذه وحدها كافية للرد على منتقديه بكثرة الترحال. «عندما يكرمك الناس في كل مناطق لبنان ومن أبناء كل الطوائف.. هذا يعني أنهم ينتظرون منك شيئا وأن تقوم بواجبك»، يقول الراعي، ويضيف: «المشكلة أن كل شخص في لبنان يريد تقسيم البلد على قياسه بدلا من أن نكون جميعا على قياس لبنان». يتشعب النقاش الى مظاهر النظام الطائفي في لبنان التي تقتل الطموح وحتى التفكير بالمستقبل. يعلق البطريرك: كان من المفترض تطوير الميثاق الوطني لكن أتت الحرب في العام 75 لتخلط الأوراق، وها نحن اليوم نعيش فصول محاولات اذكاء الفتنة السنية الشيعية في كل العالم العربي، والتي تنعكس على لبنان، مزيداً من الشرذمة. لذلك، يرى الراعي أن الدولة المدنية عندنا في مهب التمنيات، والمطلوب شفاء النفوس من أمراض الطائفية واستخلاص الدروس مما حصل في العراق وسوريا ومصر. من هنا، برأي غبطته، «على المسيحيين لعب دورهم الاساس في لبنان والعالم العربي والقائم على نشر مبادئ التنوع والحرية والعيش معا وفصل الدين عن الدولة، فما يسمونه الربيع العربي لا يمكن ان يزهر الا عبر ربيع لبناني، فإذا انزلق المسيحيون الى خندق الطائفية كانت نهايتهم». لا تضيع البوصلة لدى بطريرك الموارنة: «إسرائيل هي الاساس في المخطط الحاصل للمنطقة والذي لا يمكن ان يستمر الا عبر خلق المزيد من النعرات الطائفية والمذهبية». يستذكر في هذا الإطار: عام 1956 قال أحد رؤساء الكيان الاسرائيلي إن «لبنان كذبة وسأبرهن لهم ذلك»، ليخلص الى أن الإسرائيليين يعتبرون أن النموذج اللبناني المبني على العيش المشترك لا يناقض دولتهم العنصرية، لذلك سعوا دائماً إلى الفرقة بين أبنائه. في سوريا لا يختلف الأمر كثيراً، بالنسبة للراعي. هناك أيضاً ثمة سعي للفرقة بين أبناء الشعب الواحد، وعندما نسأل عن المقابل الذي سيجنى من تهجير الملايين وبث روح الفتنة الطائفية وتدمير بلد بكامله وسفك دم عشرات الآلاف من أبنائه، يتهموننا بأننا مع النظام». يرفع الراعي راحتي يديه إلى الأعلى ويتابع: «ندعو الى الحل السلمي في سوريا.. فيتهموننا بأننا مع النظام». يربط البطريرك العهد الجديد بالرئيس العتيد. «هناك رئيس جديد لا محالة» يجزم. ويضيف: «أرفض قطعيا أي فرضية تقول بالفراغ أو بعدم حصول الانتخابات الرئاسية. هذه الفرضية تعني الموت وأنا أرفض الموت. من يطرح مثل هذه الفرضية ويسأل عن خطة ب وغيرها يعني انه لا يريد الانتخابات». يستذكر الطائف وكيف استقل النواب الطائرة لكي ينتخبوا رئيس الجمهورية، ليقول إن لا شيء يمنع من حصول الانتخابات الرئاسية اليوم. يحذر مجدداً من «الموت». يقول إن «الجسم لا ينفع بلا رأس». يرفض البطريرك الراعي الحديث كذلك عن امكان تعديل المادة 49 من الدستور (لا يسمح لموظفي الفئة الأولى الترشح إلا بعد سنتين من استقالتهم أو تقاعدهم)، داعيا الى احترام الدستور وعدم اللعب به. يتساءل: أنا موقفي مبدئي. لماذا اللعب بالدستور و«لمرة واحدة» بصورة متكررة؟ فلتكن الامور كما تحصل في الدول الحضارية أي من لديه مشروع ليتقدم به ومن يشغل وظيفة عامة ويريد الترشح ليستقل ويعلن ترشحه وبرنامجه. لماذا لا توجد برامج عمل في لبنان؟». كل ما يشاع عن أسماء توصي بها بكركي كمرشحين للرئاسة غير صحيح. في بكركي مواصفات لا أسماء. يوجزها البطريرك بأن «يكون شخصية ذات قيمة.. رئيس بكل معنى الكلمة». في ظل الحديث عن الصلاحيات المحدودة للرئاسة، يرى الراعي الوجه الملآن من الكوب. يقول «حتى بالصلاحيات التي لديه فتوقيعه يكفي على الاقل». وهل من تنطبق عليه المواصفات البطريركية لرئيس الجمهورية؟ يجيب: ثمة عشرة أشخاص على الأقل تنطبق عليهم هذه المواصفات. من ناحية ثانية، استقبل الراعي النائب هنري الحلو الذي شدد على «أهمية الحوار بين جميع الأطراف والتنسيق الدائم في ما بينهم حيال الأوضاع الراهنة للوصول الى حل شامل». ثم التقى الوزير السابق فريد هيكل الخازن، الذي دعا القوى السياسية الى «الترفع عن المصالح الضيقة لتسهيل تشكيل الحكومة الجامعة». ومن زوار الصرح: رئيس «المجلس العام الماروني» الوزير السابق وديع الخازن، الوزير السابق روجيه ديب، رئيس «مؤسسة البطريرك صفير» الدكتور الياس صفير، رئيس بلدية جبيل زياد الحواط، المدير الاقليمي الجديد للبعثة البابوية ميشال قسطنطين، وفد اكليريكي من اكليريكية جنوب روما.