يتداول سلفيون «جهاديون»، على نطاق ضيّق، نصّاً لـ«خطة استراتيجية» تعمل «القاعدة» على تنفيذها وفق جدول زمني مدته عشرون عاماً، بدأت عام ٢٠٠٠ بالتحضير لهجمات ١١ أيلول وتنتهي عام ٢٠٢٠. هذه «الاستراتيجية» نُشرت في كتاب صدر عام 2005، اعتمد على لقاءات مع قياديين ومنظّرين في التنظيم. وأهميتها أنّها تكاد تبدو متطابقة مع أحداث الأعوام الـ 13 الماضية وتلك الجارية حالياً. الاعتقاد بأن آلية عمل تنظيم «القاعدة» وأسلوبه تحكمهما عبثية ودموية مجرّدة عن أي استراتيجية واضحة هو اعتقادٌ خاطئ، إذ إن الغرف الأمنية المتخصّصة بمكافحة الإرهاب تزخر بعشرات الوثائق عن مشاريع عمل التنظيم وخططه الاستراتيجية الثلاثية والرباعية والخمسية، وحتى العشرية، التي يعمل «القاعدة» على هديها وفق آليات واضحة ومدروسة. فعلى سبيل المثال، تمكن أحد الأجهزة الأمنية، بعد انقضاء عام على الأحداث في سوريا، من الحصول على مضمون مراسلة بين أمير «جبهة النصرة» أبو محمد الجولاني وأحد أعضاء «القاعدة» البارزين في لبنان، تتضمّن خطوطاً عريضة لمرحلة ما بعد إسقاط النظام السوري، من بينها العمل على استقطاب كفاءات شبابية كمتخصصين في الطب والكيمياء والكومبيوتر والاتصالات، والانتشار الأفقي بين مختلف المناطق اللبنانية تحضيراً للعمل في لبنان. وتوضح المعلومات والوثائق التي حصل عليها الجهاز الأمني أن «الاستراتيجية القاعدية»، في لبنان والمنطقة، تتضمّن أهدافاً محددة على الصعيدين الميداني والاستقطاب البشري. وتعتمد هذه الخطة على وثيقة يتناقلها قياديون مرتبطون بـ«القاعدة»، تبدو أقرب ما تكون الى «استراتيجية تنظيم القاعدة ومراحل تنفيذها»، وهي مستقاة من كتاب صدر عام 2005 للصحافي الأردني فؤاد حسين بعنوان «الزرقاوي الجيل الثاني للقاعدة». فقد أجرى حسين مقابلات عدة مع كل من الشيخ «أبو محمد المقدسي»، أحد أبرز منظري «القاعدة»، و«أبو مصعب الزرقاوي»، في سجن سواقة الأردني. واللافت في الوثيقة تطابقها شبه التام مع أحداث السنوات الماضية وما يجري حالياً من أحداث. الوثيقة المذكورة، إضافة إلى كتاب آخر بعنوان «هكذا نرى الجهاد ونريده» يجري تداوله على المواقع الجهادية، يستعرضان الأهداف والخطط والمراحل المحدّدة سلفاً لوصول التنظيم إلى الحُكم. وتتحدّث الخطة عن «توسيع رقعة العمل الجهادي ليشمل العالم كلّه، باعتبار أنه سيساهم في تعاظم قوّة الأمة وإرهاب أعدائها»، وهي مقسّمة إلى سبع مراحل، وترتبط بجدول زمني يبدأ عام ٢٠٠٠ وينتهي عام ٢٠٢٠ موعد «تحقّق النصر النهائي». المرحلة الأولى، يُطلق عليها «مرحلة الإفاقة» (من ٢٠٠٠ إلى ٢٠٠٣). تركّز هذه المرحلة على «إعادة الأمة إلى يقظتها» عبر «تسديد ضربة قوية لرأس الأفعى في نيويورك، كي تفقد صوابها، وتقوم بردات فعل توّجت القاعدة قائداً للأمة»، بعدما أعلنت الولايات المتحدة «حربها الصليبية» على الإسلام، واحتلّت أفغانستان والعراق، ما أدى إلى توسيع المعركة وجعل الأميركيين أهدافاً سهلة. وحوّل «القاعدة» من تنظيم محدود إلى تيار متنامٍ. وتنتهي هذه المرحلة باحتلال العراق في نيسان ٢٠٠٣. المرحلة الثانية سُميت «مرحلة فتح العيون» (من ٢٠٠٣ إلى ٢٠٠٦). خطة «القاعدة» في هذه المرحلة إدامة الاشتباك مع العدو، والتركيز على الإعداد لـ «الجهاد الإلكتروني» كي يبدأ تأثيرها مع بداية المرحلة الثالثة، فضلاً عن مواصلة البناء الهادئ في مناطق استراتيجية في العالم العربي والإسلامي، بموازاة اتخاذ العراق قاعدة لبناء «جيش جهادي» يبدأ نشره في دول الجوار مع بداية المرحلة الثالثة. إضافة إلى إعداد دراسات شرعية وتوزيعها لتوجيه المسلمين نحو دفع الزكاة والصدقات لـ«القاعدة». المرحلة الثالثة هي «مرحلة النهوض والوقوف على القدمين» (من ٢٠٠٧ إلى ٢٠١٠)، ويُقصد بها القدرة على الحركة الفاعلة. ومعالم هذه المرحلة ستُحدث نقلة نوعية مهمّة في عملية التغيير في المنطقة المحيطة بالعراق. إذ سيتم التركيز فيها بداية على الشام، كون الروايات النبوية تُشير إلى حصارها بعد العراق، فضلاً عن المخططات الواضحة لتقسيم سوريا ولبنان والأردن إلى دويلات طائفية، كمقدمة لإعادة تشكيل المنطقة من جديد. ويشير الصحافي الأردني في كتابه، نقلاً عن المقدسي والزرقاوي، الى أن فكرة «جند الشام» طُرحت منذ أيام الجهاد الأفغاني، لكنها لم تكتمل بسبب الغزو الأميركي لأفغانستان عام 2001. ويوضح أن من عملوا على هذه الفكرة، آنذاك، عادوا إلى سوريا ولبنان والعراق، وأعدّوا أنفسهم لاستثمار أي فرصة تسنح حالياً في لبنان، وقريباً في سوريا (مع الإشارة إلى أن الكتاب الذي يُفترض بأنه مصدر الوثيقة نُشر عام ٢٠٠٥). وفي نهاية هذه المرحلة، يكون «القاعدة» قد أنهى استعداداته للبدء بالاشتباك المباشر داخل فلسطين وعلى حدود إسرائيل، وعندها سيُكرّس التنظيم «قيادة شرعية للأمة». المرحلة الرابعة (من 2010 إلى 2013) هي المرحلة التي شهدت اندلاع الأحداث في سوريا، وسُمّيت «استعادة العافية». في هذه المرحلة، يتم التركيز على إسقاط الأنظمة عبر الاشتباك المباشر والقوي معها. ويعتمد التنظيم في سبيل ذلك على العوامل الآتية: «إفقاد الأنظمة الحاكمة مبررات وجودها عند الشعوب عبر الإسهام في كشف عمالتها وتماهيها مع السياسة الأميركية. يترافق ذلك مع التنامي المستمر لتيار القاعدة واستنزاف القوة الأميركية عبر الاشتباك المباشر والمستمر معها وشن هجمات إلكترونية على الاقتصاد الأميركي. كما يترافق مع التخطيط لضرب النفط العربي وإحراقه، بما يحرم الأنظمة والغرب من دعامتهما الاقتصادية. وفي موازاة ذلك، ترويج فكرة اعتماد الذهب كمقياس وأداة للتعامل النقدي الدولي، وجعله تغطية فعلية للعملات. وإذا نجح ذلك، ينهار الدولار بفعل فقدانه التغطية الذهبية. وفي هذه المرحلة، أيضاً، تكون إسرائيل في حالة ضعف ناشئ عن استمرار الاشتباك الداخلي معها وضمور الدعم الدولي لها وتهاوي الأنظمة العربية الحامية لها». المرحلة الخامسة (٢٠١٣ إلى ٢٠١٦) هي مرحلة «إعلان الدولة» أو «إعلان دولة الخلافة»، الهدف الاستراتيجي لـ«القاعدة». وتلحظ هذه المرحلة حصول متغيرات دولية، تبدأ مع ضعف المحور الأنكلوسكسوني، وبروز قوى عالمية جديدة ليس للمسلمين تناقضات قوية معها كالهند والصين، مع التنامي المطرد لقوة «القاعدة» الذاتية. أما المرحلة السادسة (من ٢٠١٦ إلى ٢٠٢٠) فهي مرحلة «المواجهة الشاملة». ويقدر منظّرو «القاعدة» أن بداية ٢٠١٦ ستكون «بداية المواجهة بين فسطاطي الإيمان والكفر التي ستندلع بعد إعلان إقامة الخلافة الإسلامية»، وهذا ما طرحه بن لادن في الكثير من رسائله. لتليها المرحلة الأخيرة، وهي مرحلة «الانتصار النهائي» عام ٢٠٢٠. حينها «ستكون قدرات الدولة الإسلامية عظيمة وهائلة وسيكون المسلمون أكثر من مليار ونصف مليار». نُشرت هذه «الاستراتيجية» عام ٢٠٠٥. ونظرةٌ عن قُرب على ما تحقّق منها، يكشف شبه تطابق في المسار بين المكتوب وما تحقّق على أرض الواقع. ضرب برجي التجارة العالميين في نيويورك عام ٢٠٠١ في مرحلة «الإفاقة». استخدام العراق وأفغانستان قاعدة لبناء «جيش جهادي» يُنشر في دول الجوار في مرحلة «فتح العيون» والإعداد للمواجهة عبر التغيير في الشام خلال مرحلة «الوقوف على القدمين». وهذا ما تُثبته الأيام باشتداد عود الجماعات الجهادية عبر ارتقاء التنظيم بمسميات متعددة من «قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين» و«مجلس شورى المجاهدين» إلى «دولة العراق الإسلامية»، ثمّ تحقّق إعلان «الدولة الإسلامية في العراق والشام» عام ٢٠١٣، الأمر الذي ذكرته وثيقة منشورة منذ عام ٢٠٠٥. فضلاً عن إشارتها إلى حدث مفصلي في المسار التاريخي لهذه المنطقة في مرحلة أُطلق عليه اسم «استعادة العافية» (٢٠١٠ ـــ ٢٠١٣)، تمثّل بتخطيطهم لإسقاط الأنظمة العربية والذي تحقق بتسمية إعلامية عُرفت بـ«الربيع العربي». فهل يستمر التمكين لهذا التنظيم تمهيداً لتحقّق الانتصار النهائي في عام ٢٠٢٠؟ حزب الله في عيون «القاعدة» تتداول مواقع «جهادية» كتاباً بعنوان «حزب الله اللبناني وتصدير المذهب الشيعي الرافضي»، يعرض عقيدة الحزب من منظور «القاعدة». وقد نُشر الكتاب أول مرّة في موقع «منبر التوحيد والجهاد» الإلكتروني الناشط في نشر أفكار منظّر «القاعدة» الشيخ أبو محمد المقدسي، أستاذ أبو مصعب الزرقاوي، علماً بأن كاتبه هو الشيخ عبد المنعم مصطفى حليمة الملقب بـ«أبو بصير الطرطوسي»، الذي وقف في الصراع الدائر في سوريا إلى جانب «الجبهة الإسلامية» ضد تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام». ويختصر الكتاب نظرة «الجهاديين» إلى حزب الله، محاولاً تحذير أهل السنّة منه، ولا سيما أهل فلسطين. ويرى الشيخ أن «حزب الله اللبناني هو البوابة الكبرى لحركة التشيع العالمي، عبر بوابة فلسطين التي يتّخذ منها مطيّة لتنفيذ مهمته الحقيقية بنشر التشيّع في العالم». والجدير بالذكر أن الكتاب صدر عام ٢٠٠٢، قبل نحو عقد من تدخل حزب الله في القتال في سوريا.