الكثيرون في بلادنا مصابون بداء الإنكار: يخافون ان يُضبطوا متلبسين بما هو عيب في نظر المجتمع، ويبذلون كل جهدهم لكي يبدوا متوافقين مع معاييره. هكذا هي الحال على الصعيد الفردي، وهكذا هي على الصعيدين الاجتماعي والسياسي. يرفض هؤلاء الاعتراف بما قد يشكل مسّاً بسمعتهم او يكون سبباً لوضعهم في دائرة الاتهام، وهم في ذلك معذورون ربما، لكن إنكار الوقائع يصبح أحياناً ضرباً من العبث لا يفيد، بل قد يؤذي ويسمح للمرض بأن ينمو في صمت. عندما قيل إن سائق السيارة المفخخة في الشارع العريض بحارة حريك هو قتيبة الصاطم من وادي خالد، أنكر أهله وعشيرته الأمر، متعللين بأنه طالب جامعي يتسم سلوكه بالاعتدال وكان ينوي الذهاب الى فرنسا لمتابعة دراسته ولا يعرف قيادة السيارات و... إلخ، بل ذهبوا الى تحميل حزب الله مسؤولية ما يفترضون "خطفه" ( هناك ولع غريب لدى فريق 14 آذار وشارعه بنظرية المؤامرة: لمحوا الى سيناريو اقتياد الشاب مرغماً لتنفيذ عملية انتحارية في "معقل حزب الله"؟؟؟ كما وصفته وسائل اعلام عربية معروفة التوجه والتمويل). لكن والده اعترف في إفادته أمام مخابرات الجيش اللبناني بأن ولده كان يحمل في الفترة الأخيرة أفكاراً متشددة وانه أبلغ قوى الأمن الداخلي باختفائه قبل خمسة ايام من التفجير. وتبين في وقت لاحق على الانفجار أن صفحة قتيبة على الفايسبوك تمجد "داعش" ومن حولها، قبل ان تعلن الأخيرة مسؤوليتها. يذكـّرنا هذا بما حدث بعد انكشاف هوية منفذي التفجيرين أمام السفارة الايرانية في بيروت: انطلقت حملة تشكيك قصيرة النظر والأجل من إعلام "المستقبل" تشكك في مسؤولية الشابين معين أبو ظهر وعدنان محمد وتدّعي أن الأمر مجرد إلصاق تهمة لا أكثر. وجاء التبني الرسمي مرفقاً بالصور من كتائب "عبدالله عزام" ليؤكد أن هذا الإعلام مصاب فعلاً بداء الإنكار. ويذكرنا هذا أيضاً بيوم ٍورد فيه اسم زياد الجراح على انه أحد منفذي هجمات نيويورك وواشنطن عام 2001، أنكر القريبون منه التهمة ونسجوا رواية تقول إنه ذهب للعلم ليس إلا ومن المحال ان يكون متشدداً وقاتلاً بالجملة، واستدلوا على سلوكه "المنفتح" بنشر صور قديمة تظهر حضوره حفلات رقص وما شاكل. كان ذلك قبل ان تنعاه "القاعدة" وزعيمها وتصبح هناك سرايا باسمه (سرايا زياد الجراح- من لبنان الى أميركا وبالعكس!). صناعة التطرف: البعض لا يريد فعلاً أن يصدق ان الكثير من الشباب غير المثقف دينياً يسهل قيادُه والسيطرة عليه عند وقوعه فريسة أيدٍ غير أمينة على العلم، وان هؤلاء الشباب اليافعين يمكن ان "يتحولوا" سريعاً من ضفة الى ضفة أخرى مناقضة بعنوان "الهداية" و"القيام بفرض الجهاد" وما شاكل. التطرف ليس سمة مخصوصة في بلد او منطقة او دين. إنه ينتشر عندما يجد ظروفاً خصبة تسمح بنموه وتطوره، لكن في العالم الاسلامي خصوصاً هناك الكثير من الظروف المساعدة: الجهل او بالأحرى نقص الوعي الديني، والتخلف الاجتماعي، والإحساس بالقهر فردياً او جماعياً، واللعب على تخويف الجماعات المختلفة بعضها من بعض. لقد أصبح الكثير من الشباب غير الناضج فكرياً ينفرون الى بلاد تشهد أزمات او احتلالاً أجنبياً، ثم يرجعون محمَّلين بأفكار او تطلعات معبأة بالتشدد والتطرف، على غرار العائدين من أفغانستان او البوسنة والهرسك أو العراق او سوريا. ولقد راق لبعض الجماعات السلفية المُغالية ان تستغل هؤلاء وتحقنهم بأفكار مضادة للمجتمع لتوظفهم في مشاريع وانتماءات متلاطمة تبعث على تشظي المجتمعات العربية والاسلامية بدلاً من ان تستفيد منهم لدعم نهضتها. ومن نافل القول اليوم ان التطرف أسهم، الى جانب عوامل محلية ودولية، في تكريس الإنطباع بأن "الربيع العربي" انتهى قبل ان يبدأ وربما أصبح أثراً بعد عين! لم يعد من المفيد إنكار ان العنف الديني الذي يأخذ شكل التكفير ورفض الآخر المختلف فكرياً أو دينياً او مذهبياً او سياسياً صار مرضاً مستشرياً يفتك بمجتمعاتنا ويهدد بتمزيقها شِيَعاً. أيضاً، لم يعد من المفيد إنكار ان الكثير من المشايخ او المعمَّمين يلعبون لعبة تفخيخ عقول الناشئة ودفعها الى المعارك الداخلية والقتل العشوائي في الشارع من دون احتسابٍ للكلفة او ضبط للأهداف؛ صار الاقتتال الداخلي أولوية عند بعض المعمَّمين الذين باتوا لا يخجلون من المجاهرة بذلك بعناوين سياسية او مذهبية فاقعة. كما لم يعد من المفيد إنكار أن السياسيين يوظفون بعض المعمَّمين المتحمسين لتقديم أطروحات في ضرورات التناحر الأهلي. أحد المشايخ مثلاً صاح في تجمع مشيعي الشهيد محمد الشعار أحد ضحايا التفجير الذي أودى بحياة الوزير السابق محمد شطح في مسجد الخاشقجي ببيروت، متنطحاً بالقول: "أيها الشيعة إن كان عندكم دين، فعليكم ان تتبرأوا من ..... ". هكذا يطلق رجل يتزيّا بزي رجل دين خطاباً أمام العامة من الناس لا يقدّر ما ستكون عاقبته على السلم الأهلي ولا يرعى في طائفة كاملة من المسلمين إلّاً ولا ذمة. "الدين" في خدمة السياسة قد يقول البعض إن الأمر حديث العهد وهو مستجد بعد الأزمة السورية وانخراط حزب الله في القتال فيها. لكن الخطاب الطائفي في المساجد وعلى المنابر السياسية وعلى مواقع الانترنت يسبق هذه الأزمة بسنين طويلة. في لبنان نعرف مثلاً ان السياسة طالما استخدمت الانتماء الديني والمذهبي لتحصين موقع سياسي وتحشيد أبناء الطائفة خلف زعيم معين على مر تاريخ لبنان القديم والحديث. وعند إحلال اتفاق الطائف في مطلع تسعينيات القرن الماضي، ظن الجميع ان عهد الطائفية السياسية أصبح من التاريخ البائد. لكنهم لاحظوا في مرحلة لاحقة أن أي خلاف بين رئيس الحكومة وسياسيين من طوائف اخرى كانت تسخَّر لأجله منابر المساجد لإطلاق الاتهامات والتلويح بعظائم الامور باعتبار ان المسّ بالرئيس او حتى الإعتراض عليه في أي مجال هو اعتراض على طائفة بكاملها. ونذكر جيداً كيف أصبح السراي الحكومي محجة للمشايخ عندما وقع الخلاف السياسي بين 8 و14 آذار في نهايات العام 2006، وكيف أطلق بعضهم في بعض المساجد جرعة زائدة من الخطاب الحماسي الذي يهاجم ليس فقط قوى سياسية بل طوائف أخرى بدعوى الدفاع عن طائفتهم وحقوقها. وحين رأى بعض السياسيين أن اتفاق الطائف ليس كاملاً ويتطلب إضافات او تعديلات لتصحيح الممارسة السياسية ومسار المؤسسات، إنبرى بعض المشايخ مدفوعاً من قيادات سياسية ليقول إن ذلك من المحرمات ويشكل افتئاتاً على الموقع الأول للطائفة في الدولة. وهذا الخلط بين الدين او الطائفة والسياسة قد يصح على طوائف أخرى، لكنه غير صحي ويمثل إضعافاً لبنية البلد وقدرته على التطور السياسي والاجتماعي، واذا صلحت السياسة صلحت أحوال المجتمع. التأسيس لـ"القاعدة" في لبنان بنية المجتمع اللبناني إذن ضعيفة سياسياً وغير متماسكة اجتماعياً، وانتشار المد التكفيري أضاف عليها المزيد من الهشاشة مستفيداً من دخول أموال ودعاة لبنانيين أو غير لبنانيين متشربين هوى متطرفاً ويجدون راحتهم في غياب دورٍ ضابط من المؤسسات المعنية. ومن دون شك فإن الاحتلال الأميركي للعراق أتاح تجنيد شبان لبنانيين وآخرين من سكان المخيمات الفلسطينية في لبنان للقتال هناك تحت مسمى "الجهاد"، وانخرط بعضهم في سياق التعبئة الطائفية في ظل التنظيمات المتطرفة هناك واكتسبوا خبرة قتالية سعوا في ما بعد لنقلها الى لبنان. وهذا يسري على بلدان عربية عدة تعاني من تشدد العائدين من العراق، ومن قبلهم العائدون من أفغانستان. و"كتائب عبدالله عزام" إطار تأسسَ تحت ظلال أبي مصعب الزرقاوي في العراق، كما صرح أميرها الاول السعودي صالح القرعاوي، وهي تمارس عمليات أمنية في لبنان منذ سنوات سبقت تاريخ الأزمة السورية. وإنه لمن القضايا التي تلفت الانتباه ان بعض الخلايا المتطرفة خططت لاغتيال الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله خلال العامين 2005- 2006 وشرعت في عمليات الاستطلاع قبل ان يتم توقيف أفرادها، وفيهم لبنانيون وفلسطينيون. هؤلاء، من منطلق سلفي تكفيري، ينظّرون لـ"خطر" المسلمين الشيعة وأولوية قتالهم على قتال اليهود الذين يحتلون فلسطين! وبعضهم يجد بيئة حاضنة دافئة في مناطق لبنانية. ولقد تجنب حزب الله طويلاً الاشتباك مع هؤلاء إعلامياً او سياسياً، باعتبار ان الأولوية الأولى هي مجابهة العدو الصهيوني، وان مشكلة هؤلاء المتطرفين قد تُحل مع الوقت. لكن الأزمة السورية فتحت باباً عريضاً لتجنيد قسم من الشباب اللبنانيين للقتال، أسوة بشباب عرب وغير عرب، وكذلك لشدّ عصب دعاة التطرف الذين يتحركون عبر الحدود، الأمر الذي كشف أمن البلد على أيدي مجموعات تجد مدداً من طريق سوريا وعبرها من العراق. هؤلاء كانوا يقولون سراً وعلانية ان دور حزب الله في لبنان آتٍ، ومن الطبيعي في وضع كهذا ان تكون سوريا بالنسبة لحزب الله خطاً أمامياً للدفاع عن المقاومة وعن قضايا الأمة الاستراتيجية وعن مقومات بقاء لبنان. الواقع اننا لا نسوق هذا الآن لتبرير دور حزب الله في هذه المرحلة الدقيقة، لكن للقول إن إنكار وجود "القاعدة" وأخواتها من عناوين العنف التكفيري في لبنان، كما كان يفعل بعض الساسة ممن تهجم على وزير الدفاع فايز غصن عندما صرح بهذا اواخر العام 2011، بات امراً من الماضي. وجاء أوان تحديد المسؤوليات: السياسيون المناوئون للمقاومة يجب أن يقرّوا بأن تسعير الخطاب ضد حزب الله سيعمق مأزقهم في شارعهم وسيخدم التطرف اكثر فأكثر. ورجال الدين الذين يركبون موجة السياسيين وينظّرون للإحتراب الطائفي والمذهبي إنما يوقدون ناراً للحرب لن يستطيعوا فيما بعد إطفاءها. وقد أصبح شبابهم التائه المفخخ بأفكار مسمومة ضحية لعبة سياسية تفرّغ قواه في صراع لا يقرر نهاياته، وعندما ينتهي دوره سيُرمى على الهامش، كما فُعل من قبل بـ"الأفغان العرب" الذين طـُردوا من جنّة أفغانستان ورذلتهم مجتمعاتـُهم، ونشهد الآن في غرب العراق وفي شمال سوريا - من خلال الحرب على "داعش"- بداية تراجع أفق هذه اللعبة الجهنمية، وإن استهلكت بعض الوقت. بقلم : علی عبادی