بقلم : يوري ميخايلوف مدير مركز البحوث والنشر ” لادومير ” ، فنيامين بوبوف مدير مركز الشراكة بين الحضارات في معهد العلاقات الدولية في روسيا الاتحادية تبدو التغيرات الجيوبوليتيكية في مطلع القرن الحادي والعشرين في بلدان العالم الاسلامي ظاهريا وكأنها جملة من العوامل العفوية، اما في واقع الأمر فإنها مظهر للتغير المعقد نوعيا في ميزان القوى في العالم. ويعتقد بعض الباحثين السياسيين بأن هذا كله مجرد العاب قصيرة النظر يمارسها السياسيون في أعتى دولة في العالم أي الولايات المتحدة الامريكية ، ونتيجة لعجزها الفكري وقصر نظرها الاستراتيجي. طبعا لا يمكن الاستغناء عن الامريكيين في العالم اليوم. ويجب اعطاءهم حقهم، فإنهم يذودون بمهارة عن مصالحهم القومية. لكن يجب من أجل كشف الدوافع الحقيقية والمؤثرة في اتجاه الكوارث الحالية ، يجب ان تؤخذ بنظر الاعتبار الاحداث ليس في الاعوام الاخيرة فقط ، بل يجب إلقاء نظرة على الافق التأريخي الواسع بقدر أكبر. لقد استوعبت الولايات المتحدة جيدا ان القرن العشرين كله مضى تحت راية النهضة الفكرية الاسلامية. إلا انها تحسست ذلك بجلاء على الاخص حين قامت الثورة الاسلامية في ايران في عام 1979 ، ولاحقا – في مطلع الالفية الجديدة حين جرت الهزات التي ولدتها الاحداث المأساوية في 11 سبتمبر عام 2001 . وبعد فترة انحطاط تواصلت على مدى قرون عديدة بدأت النهضة الفكرية للمسلمين في اواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين من قبل الاصلاحيين الاسلاميين والمنورين والمناضلين ضد الاستعمار جمال الدين الافغاني وعبدالرحمن الكواكبي وسيد احمد خان ومحمد عبده وحتى رشيد رضا وممثلي حركة التجديد التتارية. ووضعوا كلهم نصب اعينهم مهمة امعان الفكر في دور المسلمين في العالم مستقبلا ، وبالاخص الجوهر الاجتماعي للعقيدة الاسلامية ، وتحديد مكانة الدولة في تطوير وتحديث المجتمع المعاصر. وبرز عبر افكار هؤلاء الاصلاحيين رأي مفاده ان الاسلام يجب ان يكون في طليعة تطور البشرية ، أما الدولة الاسلامية فيجب ان تضمن رفاهية ليس المسلمين المؤمنين انفسهم فحسب ، بل اتباع جميع الاديان الأخرى ايضا، وهو ما كان سمة مميزة هامة لدولة الخلافة الاسلامية في فترة ازدهارها. وقد تجسدت هذه الافكار بشكل ساطع في اواسط القرن العشرين في تعاليم علي شريعتي الذي أسهم برصيد ملموس في تشكيل العقيدة الاجتماعية للاسلام. وساعدت منظومة سلم المناصب الدينية الشيعية في نشر آراء شريعتي في اوساط رجال الدين الايرانيين. وكانت النتيجة قيام الثورة الاسلامية في عام 1979 التي قادها الزعيم الكارزمي آية الله خميني. ولئن دار الحديث سابقا عن ايران بصفتها دولة متخلفة شبه مستعمرة فان جمهورية ايران الاسلامية تحولت بعد مضي ثلاثة عقود الى دولة اقليمية رائدة تظهر أعلى المؤشرات في النمو الفكري( في عام 2013 ارتفعت جمهورية ايران الاسلامية الى المرتبة 17 في المكانة العلمية في العالم ، وسبقت من حيث وتائر تطور العلم جميع البلدان الكبرى ومنها الصين ، وخططت حكومة البلاد لايصال النفقات على البحوث العلمية من 1 % الى 4 % من الناتج المحلي الاجمالي بحلول عام 2029 ، وقرر الايرانيون ان يرسلوا في عام 2019 انسانا الى الفضاء في صاروخ من صنعهم. ان هذا كله يظهر الامكانيات الفعلية للاسلام السياسي الحقيقي. لقد أثار مخاوف الامريكيين حقا مثال ايران وكذلك الآفاق التي لاحت بوادرها في احتمال ان ثروات وقدرات بلدان الشرقين الادنى والاوسط يمكن ان تستغل من اجل تطويرها نفسها.وأحس الغرب الذي تدب فيه الشيخوخة بظهورمنافس قوي في الشرق الاسلامي الناهض. واظهر الاسلام الشيعي في الواقع قدرات التعبئة الذاتية القوية والمقدرة على الدفاع عن مصالحه ( علما ان الشيعة يشكلون نسبة 15% بالمائة فقط من 6ر1 مليار مسلم في العالم). واذا استطاع المشروع السني تحقيق النجاح فإن عواقب هذه الظاهرة حسب رأي الامريكيين ستكون كارثة بالنسبة الى الولايات المتحدة. وليس من قبيل الصدف ان يتحدث كثير من الباحثين السياسيين الامريكيين عن انه سيكون من الايسر للولايات المتحدة ان تتحكم بالعالم اذا ما كثرت الحروب الاهلية والانقسامات في البلدان الاسلامية. ومن هنا تنبثق المهمة الاساسية للولايات المتحدة في المرحلة الراهنة – وهي تشديد سخونة التوتر في العالم العربي والاسلامي الى اقصى قدر ممكن ، والعمل على ظهور بؤر توتر مستمر جديدة بكافة الوسائل المتاحة لحد افتعال الاستفزازات بخصوص سلاح الدمار الشامل. وكنتيجة لذلك السعي الى اقامة انظمة عميلة بغض النظر عما اذا كانت دينية او علمانية، جمهورية او ملكية. ان الامريكيين يفكرون ببساطة كالآتي : اذا ما ترك الشرق الاوسط لشأنه لفترة عشر سنوات فستكون النتيجة ظهور لاعب عالمي خطر لا يمكن السيطرة عليه عمليا، ويمكن ان يتصرف بموارد الطاقة المتوفرة لديه بحرية ويسحب جميع ودائعه من البنوك والخزانات الغربية ، ويخلق هوة مالية يسقط فيها الاقتصاد الغربي وربما لن يخرج منها أبدا. وبغية عدم السماح بوقوع ذلك بأي حال من الاحوال تجري بين فينة وأخرى استثارة النزاعات الاقليمية بين الدول وفي داخل الدول وتوضع قنابل موقوتة تحت المنطقة. ولا يتورع اصحاب هذه الافعال عن استخدام كافة الوسائل من اجل استثارة الازمات العرقية والقومية والدينية والمعارك العسكرية المباشرة. وعموما ان الامريكيين يدركون جيدا ما يفعلونه ولماذا يفعلون ذلك. ويظهر تحليل الانباء المنشورة في الصحافة الغربية في الاسابيع الاخيرة ان مشروع الاسلام السني لا مستقبل له من مثال ” المحاولة الخائبة بجلاء” لمجئ الاخوان المسلمين الى السلطة في مصر. وتطرح نفسها بإلحاح فكرة مفادها ان تجاوز الخلافات بين السنة والشيعة غير ممكنة ، وهناك مستقبل واقعي واحد هو تشديد حدة التوتر التي تتحول الى طور الابادة الشاملة المتبادلة. وتنطلق بين الحين والحين الآخر في المجال الاعلامي العالمي اصوات الذين يعتبرون الشيعة غير مسلمين بل هم من الهراطقة الجدد والرافضة العديمي الاخلاق والمتعصبين دينيا الذين لا حق لهم في الوجود. وتشن حملة وقحة هدفها تهميش دور الاسلام بنشر مزاعم مفادها ان الاسلام عاجز عن صياغة برنامجه الايجابي الخاص به ، وان تعاليم الاسلام هي دوما تتجسد بالعنف وسفك الدماء و”الوندالية” وتخريب المجتمع التقليدي. وتجري هذه الحملة الحاقدة على مستوى البحوث الاكاديمية وكذلك في وسائل الاعلام. ان الواقع الجيوسياسي اليوم هو بشكل بحيث ان الحضارة الغربية الهرمة ترغم النخبة فيها على البحث عن مصادر جديدة وجديدة ” لاستعادة شبابها”. وهاجس الولايات المتحدة ليس كيفية انقاذ حلفائها في ظروف الازمة الاقتصادية والحضارية العالمية قدر ضمان وجودها نفسها والحفاظ على مواقع الزعامة حتى لوكان ذلك على حساب اوروبا. ومن هنا ينبثق سعيها الى جر الاوروبيين الى النزاعات في الشرق الاوسط ، وبهذا يضمن أمن اراضيها نفسها ، واستغلال الشركاء في اوروبا الغربية كدرع حي ، علاوة على اثارة النزاعات بينهم. ومهما قال المسؤولون في واشنطن فإن افعال الولايات المتحدة تدل على انها تساعد في جوهر الأمر على تنامي التطرف الراديكالي الاسلامي الذي تستغله كأداة مضمونة لتقويض جميع المنافسين المحتملين. ويجري بممالآة الامريكيين فعلا خلق بؤر النشاط الارهابي المتطرف في اراضي العراق وسورية وليبيا وعدد من الدول الاخرى، وتستثير في الخفاء كافة انواع الخلافات. ويجري الحساب على ان يكون الشقاق الداخلي طويل الأمد وبهذا تستنزف قوى وامكانيات المنطقة ، وتضعف للغاية قدرات المنافسين المحتملين . وتتيح القدرات العسكرية والاقتصادية للولايات المتحدة ووضعها الجغرافي لها البقاء فوق الصراع والاحتفاظ بدور معين في السياسة الدولية. وفي واقع الأمر يجري انشاء نوع ما من ” المشاريع” – فهذا شئ آمن . فكما تظهر محاكمة الاخوين تسارنايف ومحاكمة الرائد حسن ندال، فإن مثل هذه السياسة ، مع كل ما تتضمن من حسابات ظاهريا ، ستوجه الضربة في نهاية المطاف مثل ” البوميرانغ” ، الى الولايات المتحدة نفسها. وعادة يظهر ” مناضلون ضد النظام” في الداخل ، ونحن نلاحظ البوادر الاولى لهذه الظاهرة منذ الآن من مثال سلوك الجندي برادلي مينينغ ورجل مجلس الامن القومي الامريكي ادوارد سنودن. ان خيبة الأمل من الاحداث في العالم الاسلامي لا يمكن ان تمر بلا اثر بالنسبة الى بلادنا أيضا ، لا سيما وانه يقطن فيها حوالي 20 مليون مسلم. ولا بد من مراعاة الخصوصية المتمثلة بالتضامن الاسلامي حين لا يمكن اقامة حد فاصل بين الاسلام في الداخل والخارج. فالاسلام ليس مجرد الماضي الحضاري لشعوبنا. والمسلم كما ينص القرآن يجب ان يؤكد عقيدته ليس في المساجد فقط بل في الممارسات اليومية. ان نمط حياة المؤمن له مبرراته الدينية. وبما انه لا توجد عقيدة اجتماعية للاسلام عمليا اليوم ، فأن المؤمنين يتوجهون بأرادتهم او بدونها نحو ما هو متوفر لديهم. وما يتوفر هو فقط تقاليد القرون الوسطى التي كانت ناجحة تماما في تلك الازمان. لكن الكثير من الاحكام في المجتمع الاسلامي في القرون الوسطى تتناقض كل التناقض بجلاء ليس مع واقعيات القرن الحادي والعشرين فحسب ، بل يمكن ان تولد التوتر في المجتمع. والمشكلة هنا لا تكمن في الدين البتة، بل في غياب الموقف البناء الابداعي من تفهم كيف يجب ان يكون الموقف من تعاليم الرسول (ص ) انطلاقا من واقع العصر. ان عدم وجود تقدم فعلي في التطور الابداعي لتعاليم الاسلام الاجتماعية ، وفي بعض الحالات عرقلة هذه العمليات عن قصد – هب حتى بالقول ان هذا يتم لخير المجتمع – انما يمهد الطريق في الواقع لظهور جماعات راديكالية جديدة، وتتولد حلقة مفرغة. وبلغ الأمر حتى ان بعض الشباب المسلمين يأخذون كمرشد للعمل اقوال بعض العلماء المحافظين جول ان التناقض بين قيم القرون الوسطى المطلقة وتحديات العصر الراهن لا يمكن حله الا بصورة قسرية، ولا يستثنى في ذلك استخدام العنف والارهاب ضد “الكفار” المتعنتين. ان جميع انفجارات التطرف في الشرقين الادنى والاوسط ستجد صدى لها في حياتنا الداخلية(في روسيا) وقد تولد دور الصاعق مباشرة. وتشخص في جدول الاعمال اليوم مسألة تأسيس مدرسة روسية للفقه والتشريع الاسلامي تتضمن خيرة تقاليد المفكرين الاسلاميين الداغستانيين والتتار. ونحن لا يمكن ان نبقى بمعزل عن تفسير الاحداث التي يمليها المشرعون الاسلاميون الاجانب ، ولا يمكن ان نتقبل بشكل أعمى احكام الفقهاء الاجانب الذين ينطلقون في احكامهم من مصالح بلدانهم او جماعات دينية معينة. ويجب ان تؤسس في روسيا مدرسة فقهية خاصة بها تراعي الاوضاع المحلية ، وتضمن استقلالية المجال الديني في روسيا ، كما يستمع اليها المسملون في العالم أجمع. ويتنامي في التوزيع الجيوبوليتيكي الجديد دور روسيا بشكل محسوس ، بينما يحتدم التوتر بين الغرب والعالم الاسلامي ، وسيحتدم أكثر . وتبرز في العالم الاسلامي منذ اليوم أكثر فأكثر الحاجة الى حضور روسيا على الصعيد الدولي. وتجدر الاشارة بهذا الصدد الى قيام الامير السعودي بندر بن سلطان منذ فترة قريبة بزيارة موسكو. وقبل عدة اسابيع نشرت احدى الصحف المصرية مقالة تحت عنوان ” القاهرة تنتظر بوتين”، يدور الحديث فيها عن ” ان تنامي دور ونفوذ روسيا يعرقل الهيمنة الامريكية في العالم العربي”. ويجب علينا في الظروف الناشئة اعارة اهتمام أكبر وبنشاط الى العالم الاسلامي، والعمل على تقويض المشاريع الغربية المسيئة الى العالم كله في التلاعب بالبلدان والشعوب والاعلام والرأي العام. وبخلاف الغرب فان روسيا غير معنية بشق او اعادة رسم خريطة العالم الاسلامي بل تتبع بدأب وثبات نهج دعم وحدته وسلامة اراضيه. وكما هو معروف فان الاسلام والارثوذكسية عملا سوية تأريخيا دائما وكانا يمثلان دعما لكيان الدولة الروسية. وروسيا غير معنية بالميل الى أي جانب – الى الغرب او الى الشرق. نحن نريد الاستقرار والرخاء في الغرب وفي الشرق ولكن ليس على حساب احد دون الآخر. نحن لا نريد ان يكون هناك ” حريق في شقة ” جارنا. ويجب على روسيا في الوضع المتوتر اليوم ان تطالب الغرب بإلحاح قائلة :” توقفوا عن اشعال الفتنة في العالم الاسلامي”. وان تدعو العالم الاسلامي الى التمسك بالاية الكريمة : ” وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان”. وان السياسة الروسية كانت تتميز دوما وستبقى تتميز بالعناية بالامن والعدالة الاجتماعية.