لم ينتظر غازي العريضي أن يكون عيد ميلاده الستين موسوماً بالغضب الجنبلاطي. لا ينتظر أبداً حتى الساعة أن يكون الغضب الجنبلاطي نهائياً. اعتاد تقلبَ مزاج البيك. تآلف معه. تحايل عليه. شذَّب الكثير منه في مراحل التقارب. عرف مع الوقت مفتاح التأثير على سيد المختارة. لم يتحدث غازي العريضي في الاجتماع الأخير لقيادة الحزب الاشتراكي. ترك الآخرين يقولون ما عندهم. أدرك أن معبر الريح هذه المرة يعاكس سفينته. حين تعاكسه الرياح، ينبري بعض الرفاق ليزيدوا الطين بلة فيؤثر الصمت. ثمة من يقول إن زمن الوزير الصاخب والنائب الضاج بالحيوية قد توقف. جاء زمن تيمور. للتوريث رجاله ومناخه وزمنه. وحده غازي العريضي رافض أن يسلم بهذه المقولة. عمل وشعر في لحظة معينة بأنه الوحيد المؤهل لأن يكون عرّاب البيك المقبل. تكسرت نصال الغضب الجنبلاطي على نصال التوعك الصحي. قد يكون السببان مترابطين. توقف الكلام. سيد التعليقات الإذاعية النارية ضد الرئيس أمين الجميّل في أوج الحرب الأهلية عبر «صوت الجبل» صمت عن التعليق. منذ تلك الإذاعة التي أسسها جنبلاط لتكون صوتاً لحزبه الاشتراكي ثم للدروز، فجسراً نحو الاتصال بالمقاومتين الفلسطينية واللبنانية، اكتشف العريضي أن العمل إلى جانب سليل العائلة الإقطاعية يحتاج لشيء من تصرف الرعية مع الراعي. كم مرة غضب البيك، فأُبعد العريضي، ثم رضي البيك فأُعيد؟ في خزانات العريضي ومكتبه مئات الأوراق الصغيرة والدفاتر الأصغر. يسجل كل شيء. يحفظ الأسرار بطريقة لا يعرف فك رموزها غيره. يحفظها بأناقة تشبه أناقة ملابسه التي يحرص على اختيارها من باريس كل عام برفقة زوجته يسرى سلمان. شيء من الانتقام من تاريخ الفقر. في الأدراج قصص كثيرة عن لقاءات وتسويات ووساطات، وفيها وصف دقيق لجلسات مع الزعيم الدرزي، وخصوصاً بعد الزيارات التاريخية والمتكررة لدمشق. لا هو ولد مع ملعقة من ذهب، ولا عاش رفاهية الطفولة. نشأ في عائلة متواضعة الحال. آل العريضي هم تاريخياً غير جنبلاطيين. كان الفتى غازي راغباً منذ سني دراسته في الأشرفية وفرن الشباك ثم في كلية العلوم بأن يحسن حاله ويرفع شأن عائلته. اختار الفيزياء على أمل فتح الطريق صوب منصب علمي هام. مارس التعليم بانتظار فرص أفضل. سار في ركب كل أبناء القرى الحالمين بأضواء المدينة والحياة. بـ«قافه» التي «تفرقع» كما معظم دروز الجبل، صاغ جمله الهجومية اللاذعة ضد الكتائب والقوات وأمين وبشير الجميّل. لم يستسغ في قرارة نفسه التقارب لاحقاً. اعتاده بعد حين. ربما لم يعتده كمروان حمادة أو أكرم شهيب أو وائل أبو فاعور وغيرهم. بقي يفاخر بأنه الأقرب إلى المقاومة، ويفاخر بأنه حافظ لكثير من أسرار اللقاءات الحميمة مع السيد حسن نصر الله، ويجاهر بالعروبة ويروي قصصه ضد المبعوثين الأميركيين الذين كانوا يزورونه محاولين إلقاء الدروس حين تولى وزارة الإعلام . لعل 7 أيار كان بداية التحول. وصل الاشتباك إلى حدود منزله ــ القصر في بيصور. وصلت الرسالة. لم يذكر العريضي في حياته، ولا مرة، كلمة ضد جنبلاط. امتلك ناصية الدفاع عن مواقف كان في قرارة نفسه يخالفها. لكثرة ما دافع عنها كاد في لحظة معينة يصدقها. تقارب مع الرئيس الراحل رفيق الحريري إلى درجة أثارت الشكوك في قلب البيك. لا يحب البيك من يسير صوب حلفائه بغير طريقه. أثار شكوكاً قبل ذلك حين صارت دمشق تفتح للعريضي أبواباً جانبية. تفاقمت الشكوك لتبلغ ذروتها حين صار وزير الأشغال العامة يخاطب قادة السعودية والخليج بكثير من الود وهم يبادلونه بمثله. بات معتمداً عند السعوديين، أغضب البيك أم قبل. أحب اللغة العربية حتى أتقن الكثير من أسرارها. تعلم اللغتين الفرنسية والإنكليزية. اتقن الأولى و«يخلِّص نفسه» بالثانية. أحب الموسيقى واقتناء اللوحات والتحف الأثرية. عشق السفر والقراءة. وضع عدداً من الكتب. تحدث في بعضها عن ضياع فلسطين، واتهم في بعضها الآخر أميركا بالإرهاب. لكنه لم يكتب مطلقاً ما يعرف. لو كتب فقد يقلب الطاولة. عنده من الإسرار عن الرفاق والحلفاء والخصوم وعن لقاءات الرفاق مع الخصوم وعن البيك الجنبلاطي ما لن يجرؤ يوماً على كتابته. قالها جيفري فيلتمان لجنبلاط ولقوى 14 آذار بحضور العريضي يوماً ما «?What Can we do» (ماذا يمكننا أن نفعل؟). حفظها العريضي عن ظهر قلب. حاول أن يثني البيك أكثر من مرة عن شطحات التصريحات. سعى إلى أن يخفف من وقعها لإدراكه أن الأميركي مخادع، وأن حلفاءه في لبنان مخادعون أكثر. لم ينجح. انزلق هو نفسه إلى اللعبة. راح يدافع عن البيك بلغة أقل فصاحة من تلك التي يتقن استخدامها ضد الخصوم. هنا اللغة مطواعة، هناك اللغة مطيعة للبيك. تحسنت أحوال العريضي. صار عنده من المال ما يقيه غضبة البيك. أثار المال شكوكاً. من أين مصدره؟ لا بأس. السؤال ينسحب على 99 بالمئة من السياسيين اللبنانيين. ما عاد الأمر يثير انتباه أحد. هذه كانت غلطة الشاطر. يتقن جنبلاط ترك رفاقه يغرفون من نعيم الحياة. يعرف متى يستخدم النعيم ضدهم. يقال الكثير عن سبب مالي خلف الخلاف. يقال أكثر عن سبب التوريث. في الحالتين، يبدو أن العريضي أدرك المآل. اختار أن يمتنع عن الترشح للانتخابات النيابية. اختار أن يتقي غضبة أكبر. ازداد الغضب حين ظهر عبر قناة «الميادين». لم يدافع كما ينبغي عن بعض الرفاق. اختار الهروب عبر بوابة أوسع. شنّ حرباً علانية وإعلامية على الوزير محمد الصفدي. أراد أن يبعث رسالة تقول: أستطيع لو أردت أن أقلب الطاولة. أحدث ضجيجاً كثيراً. ازدادت الضجة عند البيك. قرر العريضي إيقاف نشاطه في حكومة متوقفة أصلاً. كبر العريضي أكثر من اللزوم. كبر الغضب الجنبلاطي أكثر. خرج العريضي عن الخطوط المرسومة بدقة للرعية. نفوذ وطلاقة لسان وعلاقات واسعة ومال وافر. شروط الزعامة اجتمعت. شروط الزعامة يجب أن تنتهي. كيف؟ ثمة من يفكر في ذلك بلا شك في مكان «معروف». بقلم : سامي كليب