في الطريق إليه تُحمّلك عيون الناس، مع السلام والدعاء وتنهدات الـ«خدنا معك»... تُحمّلك سؤالين اثنين: أولاً، تراه هل يتكلم الآن؟ وثانياً، من أي مكان وعنوان؟ حين تصل إليه، ويستقبلك بتواضعه الآسر، ويعانقك ببسمته الساحرة... حين تتسمر بين الهالة التي في وجدانك، والهامة التي أمامك، حين ينعقد لسانك للحظات، بين أسطورة البال والواقع، وبين إنسان الحفاوة والبساطة... في تلك اللحظة بالذات، يُكتب لك في ضوء عينيه جوابان لسؤاليك. فتدرك أولاً أن الآن في ذاته هو كلمته، أياً كان الوقت وعقارب الزمان، أو زمن العقارب. وتكتشف ثانياً، أن مكانه معروف وعنوانه مكشوف. فهو هنا في مكان ثابت لا ينتقل منه. مقيم هو دوماً بين شهيدين، بين الهادي والحسين. إنه، كما لطالما سمّيته، حسن نصرالله. ولطالما لامني عاشقوه وعاتب المحبّون. وفي عتبهم الأقصى من حبهم له، وبعض شفاعة ذاك الحب لي. وهي الفرصة لأفسر لهم، ولأبوح له، مستأذناً مهنتي والمهنية، في أنني أجد لغتي، وكل اللغات ربما، أعجز عن إيجاد لقب يكفي لتقديم الاسم، فكيف لأن يتقدمه؟ هو من يحترمه خصومه مثل الأصدقاء، ومن يصدقه أعداؤه مثل الحلفاء، هو نفسه من صدقنا أمس الأول كل الكلام، وكل المصارحة والمكاشفة، وكل القلب المفتوح. خمس ساعات من الحلم، كأنها لحظات من رفع نظارته أو تسوية عمامة. بين لقاء الترحيب و«السولفة» كما يحب أن يسميها، وبين ساعات «الهواء المباشر» الثلاث (نعم المباشر، لمن لا يزال يسأل) قبل أن تنتهي إلى ساعة «العشاء السري» والأسرار. «سري» هو، بذلك المعنى اللاهوتي. حيث لمفردة «السر» دلالتان لغويتان: ما يعرفه إنسان ويكتمه، وما لا يدركه عقل، ويؤمن به. في عشاء السيد، تصير أمام تلك الأسرار المفارقة: كيف لمائدة بهذا التواضع أن تشعرك وكأنك تتناول إكسيراً أو ترياقاً؟! وكيف لهذا القابض على خارطة منطقة، أن يكون جالساً هنا أمامك إلى تلك المائدة الصغيرة؟! خارطة منطقة؟؟ بل هي خرائط كل المناطق، كأنما محفورة هي أطيافاً بين جفنيه. حين يهمّ باستظهارها ينزع نظارته، ويسرح في تفصيل ما لا يُحكى على الهواء. تراه كأنه يقرأ في كتاب خُطّ لعينيه وحدهما. يحفظ جغرافيا الدول وتسمياتها كافة غيباً، من الدساكر إلى ما دونها فصعوداً. يعرف أسماء الجميع. من الجريح الذي أصيب في موقعة، إلى الخصم الذي ذبحه فريقه خطأً قابلاً للتكرار بلا ندم ولا اعتذار أو اعتبار. انتهاءً بمحاضر اجتماعات رؤساء وزعماء ومسؤولين ومرؤوسين. لا ينسى صديقاً من حمص، رأى في تطور موقفه دلالة سورية عامة، ولا تفوته فاصلة، ولا يغيب عن باله حرف، ولا يقفز تسلسله فوق نقطة. كل ما فيه مرصوص، كأنه بنيان جدلي لكل أساتذة هيغل، كأنه هندسة هرمية من أيدي فوق البشر، كأنه نبض مقاوم يضيء بنور إيمانه طريقه وحقه وحياته. جال على إيران والسعودية وسوريا والعالم، لكنه عاد إلى الأساس وإلى الجوهر. هنا كشف سره الأقدس: نعم نحن مع نهائية الكيان اللبناني... قبل أن يضيف: حتى يتراجع كل اللبنانيين عنها ربما. هي المسألة الأكثر أهمية وجذورية في خطاب حزب الله. قبل أربعة أعوام كاملة، يوم أعلن السيد الوثيقة السياسية الجديدة، لم يأت النص على ذكر الموضوع، علماً بأن المسألة التي صارت من أقداس الطائف والدستور، هي في الأساس من أدبيات السيد موسى الصدر. كان لدى البعض داخل الحزب نقاش بعد، وبحث وملاحظات وحرص على مزيد من التعمق والتريث. وكان السيد حريصاً على الإجماع. هو الإجماع نفسه الذي توصل إليه المعنيون بعد صدور الوثيقة في 30 تشرين الثاني 2009. لكن لم تأت بعدها الفرصة المناسبة لإضافتها. ولم يكن مستحباً افتعال لحظة لتلك الإضافة، كي لا تحمل على غير محل أو تعطى غير تفسير. اطمأن حزب الله إلى إجماعه على لبنان كياناً نهائياً، ولبث الخصوم يزعمون. أول من أمس كانت الفرصة الأولى لتكريس المكرس وتأكيد المؤكد. بلا تردد، نعم قالها السيد، نحن مع نهائية الكيان اللبناني، كيان لا غلبة فيه، ولا إلغاء، بل شراكة وانتماء. من يشرح معنى هذا الحدث للآخرين؟ من يُفهم البعض أنها الفرصة التاريخية. كل الخارج مشغول بمشاكله. لا دولة هنا قادرة على فرض، ولا عاصمة هناك قابلة لأن تعود وصية. هي الفرصة الذهبية لإعادة تجديد التسوية اللبنانية التاريخية، داخلياً وخارجياً. هل من يردد هذا الصدى؟ انتهت الساعات الخمس. تعود بك السيارة تحت المطر، كأن الليل والسماء قد تذكرا معك قول ابن عربي «لم يزدني الوِرد إلا عطشاً»... ترتشف بعض قطرهما مقارناً، فمن قال إن الجنة لا يمكن أن تكون للحظة، تحت الأرض؟؟! بقلم : جان عزیز