.. و اخيرا و كما كان متوقعا منذ فترة ليست بقصيرة، انفجر الصراع بين العصابات المسلحة العاملة في سورية صراع انفجر بعد فترات طويلة من المراوغة و محاولات التمويه او التهدئة و اظهار وحدة المصالح لتأجيل المنازعة و تجميد الخلافات حتى انجاز الهدف الرئيسي للعدوان و المتمثل باسقاط سورية. و الان يطرح السؤال عن مأل هذا الصراع و تداعياته على الواقع السوري و المنطقة؟
و لكن و قبل ان نبحث في ذلك نرى من الضرورة بمكان ان نعود الى تاريخ تشكل الجماعات الارهابية المسلحة في سورية و طبيعة تركيبها ، لان في الاضاءة على هذه المسائل دلالة على الاجابات المطلوبة . و هنا و في عودة الى تاريخ العدوان على سورية الذي بدأ منذ 30 شهرا نجد ان الفشل تتالى في المحاولات الاولى التي نفذتها قيادة العدوان بدءا من محاولة اخراج الناس الى الشارع ضد الدولة حيث ان وعي الشعب السوري حال دون الوقوع في خديعة "التظاهر السلمي " ، مما حمل المخطط الى الانتقال الى العمل المسلح و محاولة شق الجيش العربي السوري ، لكن المحاولة فشلت ايضا و بقي الجيش متماسكا لم يخرج من صفوفه الا قلة لا تشكل قوة يركن اليها او يعول عليها في احداث تغيير ميداني استراتيجي ، و كانت التجربة الثالثة في اغداق الاموال على السوريين لتجنيدهم ضد دولتهم و كما كان الحال فشلا في المرحلتين السابقتين كان الفشل هنا رغم ان الاخوان المنتحلين صفة الاسلام القوا بثقلهم في هذا الامر و دفعوا كل منتسب لجماعتهم او محازب او متعاطف معهم الى حمل السلاح و الانخراط في تشكيل من تشكيلات العصابات المسلحة التي راحت تفرخ كالفطر عددا و لكن بقيت فعاليتها منخفضة السقف الى الحد الذي اكد لقيادة العدوان بان المراهنة على الشعب السوري مدنيا او عسكريا من اجل نجاح المشروع العدواني هي مراهنة خاسرة و هنا كان القرار الاجرامي الاخطر في مسار العدوان:" استقدام مسلحين أجانب الى سورية لامداد من في الداخل بالقوة اللازمة" لتدميرها انقاذاً للمشروع الصهيو اميركي . اذن كان قرار ادخال المسلحين الاجانب لتعويض النقص الكبير في قدرات العصابات السورية المسلحة التي شكلت ضد دولتها ، نقص سببه محدودية عدد من تجند او خدع من السوريين باكاذيب الغرب و تلفيقاته و ادعائه بالحرية و الديمقراطية. و من اجل تسهيل عملية تجنيد الاجانب لجأت قيادة العدوان الى الاسلام- الذي هو في ذاته دين حياة واستقامة و اعمار و محبة التآلف بين الناس - و اتخذته سبيلا لتحقيق مآربها بعد ان عمدت الى تحريف قواعده و تشويهها و اخراجها عن مقاصد الشريعة ، وصولا الى انتاج دين مختلف يستجيب لما رغب به في العام 2006 المسؤول السابق في ال سي اي اي ( علينا ان نصنع لهم اسلاما يناسبنا ) . و بالفعل صنعوا لهم هذا الاسلام من اجل التجنيد ضد سورية مدعين ان القتال فيها جهاد في سبيل الله و تمكنوا بهذا ان يدخلوا الى 83 دولة فيقتلعوا منها شبابا خدعوه ، او مجرمين يخرجونهم من السجون من اجل القتال في سورية تحت راية الاسلام التي استعملتها اميركا في افغانستان عبر ما اقامته من تنظيم قاعدة الجهاد – و صنفته بعد ذلك بانه اخطر تنظيم ارهابي – و جعلت من هذا التنظيم الوعاء الاوسع الذي يحتضن كل هؤلاء مع تفريع و توزيع تحت تسميات و عناوين شنى و كلفته بخوض حربها البديلة في سورية . و حتى يسهل التنفيذ جند في الحملة منتحلو صفة الفقهاء المسلمين الذين راحوا يحدثون البدع الفتووية التي تشجع على الانخراط في العصابات المسلحة للذهاب الى سورية ، و رفعت اميركا عن طريق مفتي سفك الدماء من وتيرة الفتاوى التي ما انزل الله بها من سلطان من امثال جواز قتل الثلث او الثلين من الشعب من اجل ان يعيش الثلث المتبقي في كنف دولة اسلامية تحكم بالخلافة الاسلامية ، و فتوى هدر دم كل من لا يعتقد بعقيدة القاعدة – الفكر الوهابي التكفيري - ، او فتوى جهاد النكاح و هي من اغرب الفتاوى و اشنعها و ابعدها عن اخلاق الاسلام . و غيرها و غيرها الكثير من الفتاوى التي استبيح بها الاسلام و احكامه من اجل المشروع الصهيو اميركي . لقد تمكنت القوى الاجنبية التي خططت للعدوان على سورية من تحشيد اكثر من سبعين الف اجنبي للقتال هناك بعد ان اقنعتهم بانهم يقاتلون في سبيل اقامة حكم الاسلام مبتدئا ب " اقامة الدولة الاسلامية في العراق و بلاد الشام " ، و استعادة منصب الخلافة اشعارا باقامة الدولة الدينية للحؤول دون استمرار الدولة المدنية العلمانية القائمة حاليا في سورية . و بات القتال في عرف هؤلاء جهادا في سبيل الله ، يبغي المنخرط فيه احدى الحسنيين " النصر او الشهادة " دون ان يلفته احد او يوقظه الى مغبة ما يفعل و هو على خلاف قطعي لما يقصد لان للجهاد قواعد و اصول غير متحققة فيما هو مقدم عليه ، و ان قتاله ليس الا اجراما و موته لا يكون فيه شهادة مطلقا ، و فوق ذلك فان الحقيقة االاكيدة هي ان المشروع الذي يتنطح له انما هو مشروع عقيم غير قابل للحياة . لقد شكل ادخال المسلحين الاجانب احد الادلة لقطعية على ان ما يجري في سورية - ليس كما يدعى المعتدون او بعض المغرضين او الجهلة ،- ليس انتفاضة شعبية او ثورة او حراك شعبي ، كما انه ليس حربا اهلية ، بل هو بكل اختصار عدوان خارجي عجز المخطط عن ان يجند فيه سوريين بالحجم الكافي فلجأ الى الاجانب ، و لا يغير الصورة وجود بعض المرتزقة من السوريين الذين سقطوا في امتحان الوطنية من المدنين او الذين حنثوا بقسمهم من العسكرين ، فهؤلاء حفنة من الساقطين او المضللين العاجزين عن المواجهة لكنهم يطمحون بسلطة و مال ظنوا ان الاجانب سيفتحون الطريق اليه ، ففتحوا لهم الابواب ، و كانوا كمن يدخل الثعبان الى حجره . و مع دخول المسلحين الاجانب - و بعيدا عن المعارضة السورية المدنية التي رفضت السلاح و العمل المسلح - بات الميدان السوري يعج بعصايات مسلحة تنضوي تحت عناوين ثلاثة اساسية: - الاولى : جماعات السوريين الذين يطمعون بالسلطة و الا فسيكتفوا بما يتقاضونه من اموال اثمانا لهم تدفعها خزائن البترودولار الخليجي ، او يختلسونها عندما تسنح الفرص ( باتت السرقة و الاختلاس صفة ملازمة لاكثر من يتولون مسؤوليات في ما يسمى معارضة سورية ) ، و يندرج معظم هؤلاء المسلحين تحت عنوان ما يسمى "جيش سورية الحر " ( و هو لا جيش و لا حر اصلا ) و فيهم من الاخوان المسلمين بالاضافة الى عسكريين فارين من الجيش . و في تقييم القدرات العسكرية يمكن القول بان هذه العصابات لا تشكل اكثر من 25% من القدرات القتالية لمجمل المسلحين. - الثانية : الجماعات المسلحة من الاجانب الذين يعملون بالفكر التكفيري و هي غير موحدة التنظيم رغم صلتها بشكل او بآخر بالتنظيم الارهابي الام – القاعدة - و تعمل تحت عناوين عدة مثل جبهة النصرة و " داعش" ( يعني الدولة الاسلامية في العراق و الشام ) و لواء التوحيد و غيرها من التسميات التي تم ابتداعها في دلالة اسلامية ،و هم في اغلبيتهم من القادمين من الخارج من اجل اقامة الدولة الاسلامية حسب زعمهم ، اما التباين داخل هذه الجماعات فيكمن في مدى و سقف الاهداف ففي حين ان بعضها يكتفي بالتغيير في حدود سورية ، و تجاوزا الى العراق ، نجد اخرون يطمحون الى تغيير الحكم في العالم على اساس حكم الاسلام . اما قوة هؤلاء فيبدو انها تتجاوز ال 70 % من مجمل قوة المسلحين في سورية. - يبقى الفئة الثالثة و هي واهنة لا يفكر مسلحوها بسلطة او دولة و يتمثل همهم باستغلال الفوضى و الفرص لاشباع الشهوات من المال و النساء و الانتقام .و هم يسيطرون على شارع او زقاق هنا او هناك لا تصل في مجموعها الى نسبة 5 % من مجمل ما يشكله المسلحون . و في سياق المواجهة مع الدولة السورية تجد ان الفئة الثانية هي الاكثر تنظيما و الاشد قدرة و الاهم في المواجهة ، و كان منطقيا القول بان انتصار هؤلاء يعني ان حكم سورية لن يكون بيد السوريين ، و في المقابل يكون تصور انتصار الفئة الاولى يعني حرمان الفئة الثانية من طموحاتها – العقيمة كما ذكرنا . و بالتالي هنا تكمن بذور المشكلة بين الفئتين الذين لا يجمعما الا هدف اسقاط سورية القائمة حاليا و نظامها ، ثم يتنقضان حول مستقبل سورية بعد ذلك . و في السابق و لما كان الحل يبدو بعيدا عملت الفئة الاولى باسلوب التملق و التقرب من الفئة الثانية و اغدقت عليها المديح و الثناء ظنا منها انها ستعمل على اسقاط النظام ثم تسلمها الحكم ، لكن اليوم و مع اقتراب الحل بعد الاتفاق الاميركي الروسي من باب السلاح الكيماوي ...دنت لحظة الحقيقة ، حيث ظهر ان الدولة العلمانية التي تحفظ وحدة سورية هي الحل المقبول الذي سيكون في غير مصلحة مسلحي القاعدة التكفيرين و لهذا كان قرارهم بتصفية مسلحي الفئة الاولى او على الاقل عصرهم حتى لا يكون لهم شأن يذكر في الحل الاتي . و فاقم هذا الامر ايضاً الصراع السعودي التركي القطري ، حيث لعبت السعودية لعبة احتواء مزودوج للفئتين معا لتضمن موقعها في الحل ايهما انتصر و سيطر ، فهي بعد تمويلها و استمرارها في احتضان تنظيم القاعدة تنفيذا لاوامر اميركية ، بذلت المستحيل حتى تمكنت من امتلاك صفة مرجعية للفئة الاولى عبر وضع اليد على رئاسة المسمى "ائتلاف وطني سوري " و تحجيم دور الاخوان المسلمين فيه تحجيما للدور القطري التركي ، في خطة نفذها بندر و اعتبر نجاحها النهائي باسقاط سورية نجاحا شخصيا يفتح الطريق له الى العرش السعودي. لكن ما فاجأ السعودية و بندر تحديدا انه و بعد 3 اشهر من العمل فشل في مهمته و صمدت سورية ثم جاء الاتفاق الروسي – الاميركي ليقضي على الامل الاخير له عبر التدخل الاجنبي فضاع طموحه ، كما سد الافق امام الجماعات التكفيرية عبر التأكيد على ان لا حل في سورية الا الحل السياسي و الدولة المدنية العلمانية الموحدة . نزل الاتفاق الروسي الاميركي اذن كالصاعقة على بندر مدير المشروع الميداني و على الجماعات التكفيرية حيث بات واضحا ان لا امكانية لاسقاط سورية و نظامها ، و ان التفاوض للحل آت لا محالة مهما طال التسويف ، و ان القاعدة بكل فروعها لن يكون لها كرسي على طاولة التفاوض ، لكل ذلك اتجهت هذه الجماعات التكفيرية المستبعدة قطعا عن اي حل سلمي ، اتجهت الى العمل العسكري لتصفية من ليس منها من المسلحين و لتفرض نفسها على كل المناطق الخارجة عن سيطرة الدولة ، فيستفيد بندر من العمل و يحفظ رأسه كونه يدعي السيطرة الشخصية على قرار هذه الجماعات ... اندلعت حرب المسلحين فيما بينهم و ستشتد حتى يتمكن التكفيريون من تصفية الاخرين ان استطاعوا في تناحر سيوفر على الجيش العربي السوري بعض الجهد في التطهير ، و هي حرب ما قبل الحل ، حرب حفظ الرؤوس و تحديد الاحجام و الاوزان و تأمين المخارج للخاسرين. بعد ان بات الحل اكيدا و ان له مدخل اجباري واحد هو الدولة السورية باجهزتها الشرعية التي تحاور من يستحق ، و تحفظ الامن بقواها المسلحة مع اتفاق سياسي يحترم ارادة الشعب السوري .