لم تكن استقالة نائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، الشيخ الموريتاني عبد الله ولد بيه، مجرد خبر يمر مرور الكرام، بعدما أصبح هذا الاتحاد الديني حالة إشكالية في المشهد السياسي العربي، بتورط رئيسه الشيخ المصري القطري يوسف القرضاوي بفتاوى محل إشكال وخلاف بين الفقهاء في موضوع «الجهاد». لكن رغم الحديث عن احتمال ان تكون هذه الاستقالة في سياق الحرب القطرية السعودية، لم يتبين سوى أن الشيخ الموريتاني هو داعية اعتدال ووسطية بخلاف الدعوة السلفية المتشددة وبخلاف دعوة القرضاوي إلى حروب دينكوشوتية بين المسلمين. وكانت بعض مواقف الأحزاب والشخصيات الموريتانية مرحبة بهذه الاستقالة، إذ اعتبر حزب الرفاه، أن القرار تعبير عن «مدى صدق هذا الشيخ مع نفسه ومع ربه». وأشار الحزب في بيان الى «المواقف المريبة، بل والمشينة لهذا الاتحاد ورئيسه، حيث دأبا منذ الأزمة الليبية وصولاً إلى الأزمة السورية على إصدار فتاوى الجهاد المثيرة للتقاتل والتناحر وسفك الدماء بين أبناء الشعب الواحد، مروراً بفتاوى تشريع التحالف مع قوى الشر العالمي والاستعمار التقليدي لتفكيك الأمة والسيطرة عليها واستغلال مقدراتها». وقال إنه «لم نر لهذا الاتحاد طوال هذه المرحلة أية مواقف ايجابية تجاه القضية الكبرى قضية فلسطين ولا معادية للكيان الصهيوني». العلامة الموريتاني اعتبر في رسالة أن خطاب الاتحاد العالمي لا يتلاءم مع الإصلاح والمصالحة. وخاطب الأمين العام للاتحاد علي محيي الدين قره داغي، قائلاً إنه قرر الاستقالة بسبب الهوة الواسعة بينه وبين رئيس الاتحاد المقيم في الدوحة. وأشارت صحيفة «البديل» إلى أن سبب الاستقالة هو «انحراف الاتحاد وتحوله إلى أداة لبث الفرقة والاقتتال بين المسلمين»، مشيرة إلى أنه «سبق لولد بيه أن عارض موقف الاتحاد مما يجري في سوريا، واعترض أيضاً على فتوى القرضاوي بإهدار دم (الزعيم الليبي الراحل العقيد معمر) القذافي، ودعوة المسلمين إلى الاقتتال في سوريا واليمن ومصر. وذهب المراقبون إلى أن الشيخ الموريتاني الذي ظل يعارض فتاوى القرضاوي، قد تعززت الهوة بينه وبين الأخير لدى استشهاد العلامة السوري محمد سعيد رمضان البوطي، الذي اتهم كثيرون القرضاوي بالمسؤولية عن مقتله من خلال فتاوى اعتمد عليها بعض التكفيريين في وقت سابق من العام الجاري. ما يؤكد ذلك ان القرضاوي وسّع الهوة مع الكثير من رجال الدين، وخاصة في موريتانيا ودول المغرب العربي من خلال برنامجه «الشريعة والحياة» على فضائية «الجزيرة» القطرية، حيث أكد أن «الذين يعملون مع السلطة يجب أن نقاتلهم جميعاً، عسكريين ومدنيين، علماء وجاهلين». واشار إلى أن «كل من يكون مع هذه السلطة، التي قتلت الناس بغير حق هو ظالم مثلها ويأخذ حكمها». وينظر الكثير من المسلمين إلى قرار الاستقالة بأنه توجه جديد سيدفع إلى الحد من السياسة القطرية في توظيف الدين لمصلحة أهواء الامارة الخليجية، التي يتهمها الكثيرون بخدمة برنامج عمل صهيوني هدفه «الفوضى الخلاقة» من خلال نشر العنف والفوضى في بعض بقاع العالم. يتعزز ذلك بالمكانة التي يلقاها رجل الدين الموريتاني الذي يوصف بالاعتدال والوسطية من خلال مؤلفاته التي تُرجِمت الى لغات العالم، وتفوقه في الاستيعاب العميق لأمور الدين وبحثه المتواصل عما يرفع من مستوى المسلم. والشيخ عبد الله ولد بيه من مواليد الشرق الموريتاني في عشرينيات القرن الماضي يتحدّر من أسرة دينية توارث أجيالها علوم الشريعة الإسلامية، ونهل من معين علم والده الغزير القاضي الشهير الشيخ المحفوظ. تخرّج من الجامعات البدوية الموريتانية المعروفة محلياً بالمحظرة. أخذت فتاواه وآراؤه وفقاً لصحيفة «الأخبار» مكانتها في الغرب كواحدة من أهم المصادر والمراجع للأقليات الإسلامية التي تعيش في تلك الدول، حيث تتميز آراؤه بالاستيعاب العميق للأصول الشرعية، والمعرفة الواعية بالواقع المعاصر، ما يمكنه من إيجاد الكثير من الحلول لما يستجد من عقبات في طريق المسلم المعاصر. من مؤلفاته «توضيح أوجه اختلاف الأقوال في مسائل من معاملات الأموال وألف كتاباً عن حقوق الإنسان في الإسلام وعن التسامح والوئام والفتوى. ومن المفارقات أن الدوحة سارعت فور الاستقالة الى مضايقة الموريتانيين، وهو توجه قديم جديد شبيه بتلك المضايقات التي واجهت بها الإمارة النفطية أبناء هذا الشعب العام الماضي، رداً على مغادرة أميرها حمد بن خليفة آل ثاني نواكشوط، من دون وداع رسمي والمماطلة في استثمارات لا تزال حبراً على ورق بالرغم من الوعود. ولعل أبرز هذه المضايقات ما ذكرته مصادر مواقع إخبارية موريتانية، أنّ الموريتاني المقيم في قطر محمد ولد المهدي، ولدى عودته من إجازته السنوية في بلده احتجزته السلطات القطرية في المطار بذريعة أن جواز سفره القديم الذي خرج به ليس بحوزته، ورحّلته الى بلده مع مقيمين آخرين من موريتانيا.