اعتدنا في العالم العربي أن نقرأ ونسمع عن رفض " إسرائيل " لمبادرة أو موقف أميركي، كما حدثمثلاً في العام ۲۰۱۰ عندما رفضت طلب الرئيس الأميركي باراك أوباما تجميد الاستيطان في القدس الشرقية والضفة الغربية، وكما يحدثاليوم إذ تدعم " إسرائيل " في الأزمة المصرية العهد الجديد وخاصة القيادة العسكرية بينما تعارض واشنطن سياسة القمع التي مورست ضد الإخوان المسلمين. ويعتبر معظم العرب أن الخلاف المعلن بين " إسرائيل " وواشنطن ليس سوى غطاء لمؤامرة أو توزيع لأدوار.
في الحقيقة إن أي خلاف "إسرائيلي" ـ أميركي هو بين دولتين صديقتين وحليفتين تجمعهما الروابط الكثيرة والقوية بالإضافة إلى التزام كل منهما أمن الآخر وسلامته بسبب المصالح المتماسكة، السياسية منها والأمنية. لذلك لا يمكن أن يفرّقهما اختلاف في موقف ما أو سياسة معينة تجاه بلد آخر. بكلام آخر، إن الاختلافات التي نشهدها بين واشنطن و"إسرائيل" حقيقية في معظم الأحيان، لكنها ليست استراتيجية ولا مصيرية، ولذلك لا تفرّق تلك الاختلافات بينهما ولو بردت في حينها العلاقات بعض الشيء. مع العلم، ومن المهم التشديد على أن الخلاف العلني قد يكون أحياناً مناورة أو توزيعاً لأدوار بينهما، ولكن هذا لا ينطبق دائماً على كل الاختلافات الظاهرة. لا تقتصر هذه «الاختلافات» في هذا العقد على مشاكل "إسرائيل" مع واشنطن، إنما انتقلت إلى المملكة العربية السعودية، والتي يمكن توصيف أهميتها لواشنطن بأنها موازية لعلاقتها ب"إسرائيل"، مما يعني أن واشنطن تحرّك أساطيلها وتستنفر جيوشها حين يتهدد أمن "إسرائيل" أو السعودية ووجودهما. إن علاقات واشنطن مع الرياض هي أيضاً استراتيجية وبين الدولتين روابط ومصالح قوية ومتماسكة والتزام متبادل بالتعاون الكامل والدائم. يسود اليوم بعض البرودة في علاقات الرياض وواشنطن. هناك خلاف في سياستي البلدين حول ما يجري في مصر والبحرين والعراق، بينما تتفقان تجاه مسيرة السلام بين الفلسطينيين و"إسرائيل" كما تجاه إيران. بالنسبة إلى مصر مثلاً، بينما دعمت السعودية إقالة الرئيس محمد مرسي وتعيين القوات المسلحة المصرية قيادة سياسية انتقالية لتسيير أعمال الدولة، تنظر واشنطن إلى الوضع المصري بحذر شديد وتدين سياسة قمع الإخوان المسلمين. وبينما رفضت الرياض التعاون مع الإخوان المسلمين في مصر، وتلاحقهم قضائياً في المملكة وفي دول خليجية، وتتسم العلاقات السعودية مع إخوان سوريا وتركيا بالبرودة، لا ترى واشنطن غضاضة في حكم الإخوان لمصر وترتاح إلى سياسة حزب العدالة والتنمية الإسلامي في تركيا بقيادة رجب طيب أردوغان وتدعمها. كذلك في العراق، بينما لا تقيم الرياض علاقة دبلوماسية كاملة مع حكومة نوري المالكي وتدعم المعارضة السنية لحكمه، ترى واشنطن في المالكي الرجل المناسب في الوقت والمكان المناسبين. العلاقات السعودية ـ الأميركية لا تنطبق على معظم الدول العربية الصديقة للولايات المتحدة. فإذا كان الاختلاف في السياسات والمواقف لن يصل إلى الفراق بينهما، فلماذا لم تمارسه المملكة في السابق ويظهر اليوم في الوضوح؟ يدير سياسة المملكة بقيادة الملك عبد الله فريق من أحفاد الملك المؤسس عبد العزيز بن سعود، ومنهم من قضى في الولايات المتحدة عقوداً وبالأخص الأمير بندر بن سلطان الذي خدم دولته في مطلع ثمانينيات القرن الماضي كملحق عسكري واستطاع بجهده أن يقنع الكونغرس الأميركي بأن تبيع واشنطن السعودية طائرات الأواكس وسط معارضة "إسرائيلية" جنّدت فيها كل المنظمات اليهودية في أميركا لمحاربة الطلب السعودي. وقد عيّن الأمير بندر على إثرها سفيراً لبلاده في واشنطن حيث تزاملنا لحوالي سبع سنوات عرفت فيها الأمير بندر عن كثب. بعد تعثر في البداية، استطاع الأمير بندر أن يفرض نفسه شريكاً في صنع السياسة الأميركية ـ الشرق أوسطية، طبعاً باستثناء ما يتعلق ب"إسرائيل" ومصالحها، وأصبح في عهد جورج بوش الأب شريكاً في المداولات التي تجريها الحلقة الداخلية للرئيس في ما يتعلق بمصالح البلدين الإقليمية. وتعثرت بعض الشيء صلات الأمير بالبيت الأبيض في بداية عهد كلينتون بسبب صلاته الوثيقة بعائلة بوش، ولأنه لم يرد على مكالمتين من كلينتون يوم كان الأخير حاكماً لولاية اركنساس. لكن العلاقة الأقوى كانت مع جورج بوش الابن حيث أصبح الأمير من كبار المؤثرين على قرار الإدارة في حروبها وعلاقتها مع دول المنطقة باستثناء "إسرائيل". بكلام آخر، عرف الأمير بندر وفهم أن علاقة دولته بواشنطن عميقة وثابتة ولن تؤثر فيها اختلافات من هنا وهناك كما هي الحالة في ما يتعلق بالحرب السورية قبل استعمال السلاح الكيميائي، وربما عاد الاختلاف في وجهات النظر إذا نجح الاقتراح الروسي بتجنيب سوريا ضربة أميركية. بدا الموقف الأميركي في السنتين الأوليين من الحرب السورية متفاهماً مع الموقف القطري الذي كان يدعم الإخوان المسلمين. لكن بعد استلام الأمير بندر زمام إدارة المخابرات السعودية وتراجع الدور القطري بعد تقاعد الأمير حمد بن خليفة، بدأ ينسّق مع واشنطن الرسمية والمدنية (مراكز الفكر واللوبيات) بشأن الحرب السورية وتقاربت سياسة البلدين كثيراً خاصة بعد حادثة استعمال السلاح الكيميائي. الاقتراح الروسي بشأن مراقبة السلاح الكيميائي السوري وضمان عدم استعماله قد يعيد الاختلاف السعودي مع واشنطن، خاصة وأن حليفيها الأساسيين في المنطقة يختلفان بشأن الحرب السورية. فبينما تريد السعودية إسقاط نظام الأسد وترى في استعمال السلاح الكيميائي ذريعة لذلك، تكمن أولوية "إسرائيل" في «ضبط» وجود سلاح كيميائي في سوريا بضمانة دولية. لذلك فإن قبول واشنطن الاقتراح الروسي يحيّد "إسرائيل" عن الحرب السورية لكنه يُغضب السعودية كما يتبيّن من موقف المعارضة السورية الموالية للسعودية والمعارضة لأي اتفاق لا يغيّر توازن القوى العسكرية في الداخل السوري لمصلحتها. بالرغم من هذا الاحتمال القوي الذي قد يولّد اختلافاً أساسياً بين السعودية وواشنطن، ستبقى العلاقة الأميركية مع السعودية قوية ومتينة وستبقى السعودية بأهمية "إسرائيل" بالنسبة إلى سياسة واشنطن الشرق أوسطية.