من الدقة بمكان اعتبار السياسات الاميركية، أصل البلاء في ما يتصل بتزايد وتيرة الانفجارات والاضطرابات والتوترات في الشرق الاوسط عموما وفي سوريا خصوصا، وذلك على خلفية نذر " الضربة المفترضة " التي تزمع واشنطن توجيهها الى دمشق تحت ذريعة اتهامها بضرب " الكيمياوي " في الغوطة الشرقية من دمشق.
اذ من المؤكد اننا بتنا بازاء مذهب سياسي ملتو لا يقوم على اساس الواقع، بل هو يتستر خلف الشعارات البراقة والادعاءات الزائفة للتحايل على الامم والشعوب والمنظمات الدولية في سبيل تحقيق اجنداته الهيمنية ومشاريعه الاستغلالية اللامحدودة. بالامس حشد الكونغرس الاميركي بمجلسيه(الشيوخ والنواب) اعماله للخروج بقرار توجيه ضربة عسكرية الى سوريا، في مسرحية يراد من ورائها خداع العالم بأن حكومة الولايات المتحدة هي الأمينة – ولا احد سواها - على حماية حقوق الانسان في أرجاء المعمورة. وقد بدا جليا ان كل ما سوقه وزير الخارجية جون كيري ووزير الدفاع تشاك هاغل ورئيس الاركان المشتركة مارتن ديمبسي لتبرير هذه الضربة، لا يخرج عن كونه محض اكاذيب وسينايوهات مختلقة اعتادت السياسات الاميركية العتيدة على فبركتها لتضليل الرأي العام العالمي، ناسية او متناسية تأريخها الاسود في هيروشيما وناكازاكي باليابان والحرب الكورية وفي فيتنام والصومال وافغانستان والعراق والحروب والانقلابات التي قادتها أو مولتها في أميركا اللاتينية وآسيا وافريقيا وايران وغيرها من بلدان الشرق الاوسط. فضلا عن دورها البشع في حماية وشرعنة جرائم الحرب التي ارتكبتها " اسرائيل " منذ زرعها عام ۱۹٤۸ في قلب العالم الاسلامي، وخاصة تحركاتها المفضوحة الراهنة لتوسيع المستوطنات والسيطرة على المسجد الاقصى تكريسا لمؤامرة تهويد فلسطين بأسرها. ومن الواضح ان المخطط الاميركي غير آبه بما ستجره هذه الضربة العسكرية التي وصفها مسؤول البنتاغون " تشاك هاغل " بانها " لن تكون وخزة دبوس "، من ضحايا ودماء وفوضى عارمة، ليس على مستوى سوريا فحسب بل على صعيد المنطقة برمتها، لاسيما اذا اخذنا بنظر الاعتبار انفلات الامور من عقالها في مصر وتونس وليبيا والعراق ولبنان واليمن، بسبب استفحال الحالة التكفيرية والطائفية بالمنطقة. فاللافت في " السياسات الاميركية الراهنة " هو انها تعتمد شبكة من الاساليب والادوات التي طورت بها مخططاتها السابقة توخيا لبثالفرقة والتناحر في الشرق الاوسط. فهي تجاهر علنا في رفع لواء ما سمي بمشروع " الفوضى الخلاقة " ابتغاء تغيير الموزائيك الجيوسياسي والجيوستراتيجي في المنطقة. وهي أحالت " الجامعة العربية " الى مطية لضرب التضامن العربي التي كانت سائدة بأبسط اشكالها إبان حقبة الخمسينيات والستينيات والسبعينيات من القرن العشرين. والأخطر من ذلك كله هي أنها تنتهج مبدأ ضرب " الاسلام بالاسلام "، الامر الذي تنفذه على اكمل وجه " الجماعات التكفيرية المسلحة " باختلاف مسمياتها، والتي يمكن القول انها تعيش الان " عصرها الذهبي " تحت غطاء مشروع الفوضى الاميركية الذي فتح أيدي اعضائها في العراق وسورية ولبنان وتونس وليبيا واليمن ومصر وافغانستان وباكستان ومساحات شاسعة من افريقيا وآسيا، لكي تعيثفي الارض فسادا وتحرق الحرثوالنسل. مما مضى يمكن بسهولة فهم العقلية الاجرامية التي سولت لها نفسها الشريرة اطلاق قذائف غاز السارين " الكيمياوي " على منطقة الغوطة الشرقية بدمشق بتاريخ ۲۱ آب - اغسطس الماضي۲۰۱۳، مثلما يمكن فهم عدم اكتراثالسيناتور الصهيوني جون ماكين بالمناقشات الساخنة لاجتماع مجلس الشيوخ الاميركي يوم ٤ - ۹-۲۰۱۳ حول الضربة العسكرية المزمعة، وترجيحه الانشغال بلعبة القمار " البوكر " على هاتفه النقال، على الرغم من انه من أشد زعماء الكونغرس تعصبا للحرب الواسعة النطاق على سوريا، وما ستستصحبه من مآس وكوارثوصراعات دامية للعالم العربي والاسلامي. في هذا المجال اذكر هنا ببعض ما كتبته تحت عنوان(اميركا ولغة الذرائع): ليس مستغربا ابدا تلويح قوى الاستكبار والصهيونية وعملائها في المنطقة ب " فزاعة التهديد الكيمياوي للثورة السورية "، فقد شكلت دمشق بصمودها تحديا خطيرا لرقعة الشطرنج الاميركية في الشرق الاوسط كما انها تحولت الى قوة تهدد نفوذ اميركا في العالم وبذلك فانها(وحسب الاستراتيجية الاستكبارية) يجب ان تواجه بكل الوسائل الدنيئة ومنها المزاعم الكاذبة. ومادام يوجد ثمة مرتزقة للفوضى الخلاقة، وفي مقدمتهم حاليا افراد المجموعات الارهابية التكفيرية الذين سقطوا وافتضحوا وانهزموا في امتحان حماية الاوطان والامة، وذلك بعدما ارتضوا لأنفسهم ان يكونوا قتلة ولصوصا وقطاع طرق والعوبة رخيصة تتداولها الأوامر الأميركية والاسرائيلية والسعودية لإشاعة الموت والتخريب والدمار في العالم الاسلامي.