هل بات العدوان على سوريا قدرا محتوما؟ سؤال مركزي لا تملك اي جهة اجابة قاطعة وحاسمة عليه، وان كانت الترجيحات تصب في خانة عدم قدرة الرئيس الاميركي باراك اوباما التراجع عن التزاماته، بعد ان رسم خطا احمر كيميائي دون ان يضع في حسبانه ان احدا يمكن ان يستخدمه في الحرب السورية. لكن المعضلة الاساسية لديه، هي ان الولايات المتحدة لا تريد لأي من الجانبين الفوز في هذه الحرب، فكيف يمكن القيام بضربة والحفاظ على التوازن الميداني؟ وكيف يمكن التوفيق بين مصالح الحلفاء المتناقضة؟ هل يمكن لهذا التصعيد ان يخرج الازمة السورية من عنق الزجاجة بعد ان اصبحت الحرب تهدد الامن والسلم في المنطقة والعالم؟ لماذا معسكر اميركا مربك؟ وهل يعرف المعسكر الاخر ما الذي يريده؟. اوساط سياسية متابعة لهذا الملف، تشير الى ان تأجيل العدوان العسكري على سوريا، اعطى اوباما مساحة "ضيقة" من الوقت لتوسيع النقاش حول احتمال تسوية سياسية «ويده على الزناد»، فقمة العشرين التي ستبدأ اليوم ستكون الازمة السورية طبقا رئيسيا فيها، وما سيعرضه الرئيس الاميركي على نظيره الروسي فلاديمير بوتين سيتجاوز مسألة ايجاد حل للاسلحة الكيميائية السورية، والحل المفترض سيكون حلا "خاليا" من وجود الرئيس السوري بشار الاسد في مستقبل سوريا، وهذا الاقتراح القديم -الجديد سيعيد اوباما طرحه على الطاولة كثمن لمنع وقوع الحرب في المنطقة. وتبدو الرياض اكثر الحلفاء المتفائلين بمستقبل رهاناتها السورية، وهي ابلغت الحلفاء في لبنان بضرورة التريث في اتخاذ اي خطوة لها علاقة بالاستحقاقات السياسية الداخلية، بانتظار الاخبار السارة الاتية من دمشق، سواء حصلت الضربة او لم تحصل، فالسعوديون مقتنعون ان هذا التصعيد غير المسبوق سيؤدي في خلاصة المشهد الى التضحية بالاسد، سواء عبرتسوية او عمل عسكري. وهذا ما يفسر استمرار التصعيد السعودي على الساحة اللبنانية، وعدم الرغبة في الدخول بتسوية مع حزب الله، ستكون شروطها اقسى على الحزب بعد سقوط الاسد. وترى تلك الاوساط ان التفاؤل السعودي مبالغ فيه في هذه المرحلة، فالدول الحليفة للنظام السوري لا ترى انها ضعيفة الى درجة التضحية به فقط لأن الولايات المتحدة تهدد بالحرب، واذا كانت المعادلة «الحرب او الاسد»، فان هذا المحور سيختار الحرب دون اي تردد، فما تحقق من انجازات خلال سنتين ونصف في سوريا، لن يتم التخلي عنه بسهولة، وبات الجميع اليوم مدركا بأن هذا المحور يعد نفسه لمعركة مفتوحة، ساحتها الرئيسية ستكون سوريا، واذا كان حزب الله قد خاض الحرب عام 2006 من لبنان، فهو الان بدعم ايراني وروسي سيخوض المعركة مع الجيش السوري، لكن احتمالات اشتعال كافة الجبهات يبقى مفتوحا على مصراعيه، وفقا لما تقتضيه ظروف المعركة. في المقابل، يعرف محور المقاومة تضيف الاوساط ان "طريق" الادارة الاميركية ليس مفروشا "بالزهور" في الداخل او مع حلفائها، فاوباما امام ثلاثة سيناريوهات محتملة أولها موافقة مجلسي الشيوخ والنواب على الضربة وثانيها موافقة أحدهما ورفض الآخر وهذا السيناريو السيء سوف يضع أوباما في موقف سيء، حيث أنه غالبا ما سوف يقوم بالضربة، لكن فقط بدعم جزئي والثالث وهو رفض المجلسين للمخطط وليس من المستبعد ان يقوم الكونغرس الأميركي بتوجيه طلب للرئيس أوباما بموجبه يُفرض عليه عرض الخطة العسكرية ضد سوريا على كامل تفاصيلها في جلسة مغلقة، لكن من المحتمل جدًا أنْ يقوم أعضاء من الكونغرس بتسريب تفاصيل الجلسة إلى وسائل الإعلام بهدف إرباك الرئيس أوباما وتصعيب اتخاذ القرار من قبله للبدء بعملية عسكرية في سوريا. كما تولي الادارة الاميركية موقف الجماعة الموالية لاسرائيل أهمية كبيرة، لكن القادة اليهود في نيويورك وواشنطن لا يسارعون الى الوقوف علنا وراء الادارة أو الى استعمال جماعة الضغط الموالية لاسرائيل ـ الايباك ـ لمصلحته، لاسباب مختلفة، منها معرفة حدود الضربة ومدى ذهاب اوباما بعيدا في الحرب لاسقاط الاسد. فيما عامل العلاقات الاشكالية في الماضي بين اوباما ونتنياهو ومؤيديه في القيادة اليهودية لها دور في التردد. فبعض الجهات ترفض تعزيز مكانة اوباما السياسية وتتمنى هزيمته، في حين لا تتيقن اخرى تصميمه على الهجوم على سوريا، حتى لو حصل على تفويض من الكونغرس. وقد يستطيع اليهود استعمال رأس السنة ذريعة لتأخير جوابهم، لكنهم سيضطرون آخر الامر الى دعم الادارة ولو لابراء الذمة. أما الموقف التركي تضيف الاوساط يبدو ايضا شديد التذبذب بالنسبة لواشنطن، فبينما يطالب رئيس الحكومة رجب طيب اردوغان بعملية عسكرية واسعة تطيح بالنظام السوري، وثمة تساؤلات اميركية حول الدور الذي يمكن ان تلعبه تركيا في هذا السياق، فهل يمكن لأنقرة ان تقدم اكثر من الدعم اللوجستي اذا ما احتاجت اليها واشنطن غير الراغبة بإرسال جنود الى دمشق، واذا كانت تركيا جادة بهذا الامر، لماذا لم يدعو اردوغان البرلمان التركي الى قطع اجازته الصيفية لاعطائه الغطاء اللازم لاي تدخل عسكري محتمل قد يضطر خلالها الجيش التركي للتحرك. اما في الاردن المعني مباشرة بتداعيات الازمة، فان السؤال الان هو لماذا تجازف عمان بتأييد عمل عسكري أو المشاركة به تحت أي عنوان ما دامت مقتنعة بأن الضربة العسكرية لن تنتهي بزوال نظام الأسد المدعوم بتحالف قوي وصلب يمتد من إيران الى الصين والى روسيا وقبلهما حزب الله. وفي هذا السياق تقول الاوساط يتعاظم شعور دوائر القرار السياسي الأردني بأن إحتمالات الصدام العسكري مع النظام السوري التي تثيرها كل من الإدارة الأميركية والسعودية لا زالت في القياسات الإستراتيجية خالية من أي "جائزة" حقيقية ومنطقية تدفع الأردنيين لمغادرة موقفهم الحالي والإلتحاق علنا على الأقل بخندق الضربة العسكرية لسوريا. والجوائز المفترضة التي يلمح لها سياسيون أردنيون كبار وهم يتحدثون بمرارة عن سلسلة تجاهلات شقيقة وصديقة لأزمة الإقتصاد الوطني تستقر في خارطة متنوعة تبدأ من عدم وجود عروض بشطب المديونية ولا بتقديم دعم حقيقي للمالية المتعثرة ولا حتى وعود بضمانات لحصة أردنية مؤثرة في سورية الجديدة ما بعد العملية العسكرية؟ فلماذا تخاطر الاردن بزرع الفوضى على حدودها. ويبقى الخلاف العميق تقول الاوساط بين الولايات المتحدة والسعودية حول طبيعة الاهداف الاستراتيجية للضربة، يلقي بظلاله على الحرب المفترضة، فالسعودية تنشط لصالح الضربة بهدف تمكين المعارضة السورية التي حصلت على اطنان من الاسلحة مؤخرا، من العمل على اسقاط النظام، فيما الادارة الاميركية لا تفكر الان الا باضعاف النظام لإدامة الصراع لصالح تفتيت الدولة السورية خدمة لحليفتها اسرائيل، أو اسقاط النظام بتسوية تؤمن انتقالا منظما للسلطة، خوفا من فوضى غير مسيطر عليها تؤذي الامن الاسرائيلي. هذه التعقيدات السياسية والعسكرية تجعل "الرؤية" ضبابية للغاية، فكل الاحتمالات تبقى واردة، ساعات الانتظار ستكون "ثقيلة" على الجميع في المنطقة، وقد لا تكون مبادرة رئيس الحكومة العراقية نوري المالكي "كافية" لمنع الحرب، وكذلك قد لا تمنع دعوات الرئيس الروسي وتحذيراته من حرب خارج الاطار القانوني لمجلس الامن من وقوعها، لكن من يظن ان واشنطن وحلفائها لا يعيشون "المأزق" يكون واهما، ومن يظن ان اي قرار سيتخذونه امرا سهلا يكون لا يفقه بشؤون منطقة "حبلى" بالمفاجآت. لكن الثابتة الوحيدة الان هي ان الازمة السورية قد وصلت الى مفترق طريق سترتسم معه موازين قوى جديدة، سواء.