ترك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، ضيوفه في قمة العشرين، يصطفون للصورة الجماعية الزائفة الابتسامات، ثم أقبل؛ لم يمنح نظيره الأميركي، باراك أوباما، سوى نظرة جانبية، نظرة قيصر معتدّ، ووقف حيثيفصل بينهما الرئيس الإندونيسي سوسيلو بامبانغ يوديونو. إنه الفراق أو إنه خلاصة مشهد رمزي للعالم الثالثمجدداً بين العملاقين. في سان بطرس بورغ، انقسم العالم إلى منظومتين، إحداهما قديمة، تحاول تجديد هيمنتها، الرأسمالية الإمبريالية بقيادة الولايات المتحدة، وثانيهما جديدة، بقيادة ثنائية لروسيا والصين، تتكون من دول صاعدة في المنافسة الاقتصادية المحتدمة في مجال التجارة والصناعة والطاقة والمال؛ الصراع، في جوهره، هو صراع على مستقبل الاقتصاد العالمي، صراع على الموارد والأسواق والمبادلات والعملات، يستقطب الدول والقوى ويخوض المعارك سجالاً، في كل تلك المجالات. صراع على زعامة العالم وتهديد للأحادية القطبية الأميركية من الدولار إلى الأساطيل. إنما تتجمع هذه الصراعات، كلها، في سوريا؛ في سقوطها سقوط لمشروع نهوض عالمي، بينما يشكل انتصارها أملاً بعالم أكثر عدالة وازدهاراً وإنسانية. حين وقعت الأزمة المالية الكبرى في الاقتصادات الرأسمالية التقليدية عام 2008، كان ائتلاف مجموعة العشرين أساسياً لتجاوزها، وخصوصاً أن اقتصادات الصين وروسيا والهند لم تقع في الحفرة، بل كانت قد وصلت إلى ذرى جديدة، بينما اقتصادا البرازيل وجنوب أفريقيا كانا أصلب عوداً من نظيراتهما التي تدور في فلك الرأسمالية الغربية، والتي تهاوت أنظمتها المالية تحت ضغط التورم السرطاني للأوراق المالية الافتراضية، في الولايات المتحدة والغرب، واقتصاد الحرب الفاشلة في العراق. على هذه الخلفية بالذات، فاز باراك أوباما في الانتخابات الأميركية، في أجواء مصالحة عالمية تبدت في المسعى الجماعي لمواجهة الأزمة المالية. لقد ظهرت ضرورة التعاون العالمي، ونبذ الحروب، والعودة إلى شرعية الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي. وكان لا بد أن يأتي رئيس أميركي يعكس هذا المناخ الجديد. ربما كان هذا الوضع هو الذي دفع بالتنظيرة الساذجة لبعض اليساريين العرب من مؤيدي الجماعات المسلحة في سوريا، حول قيام امبريالية جديدة في روسيا والصين. لكن هاتين الدولتين اللتين صمدتا أمام الأزمة المالية العالمية، بدأتا، منذ خمس سنوات، تحشدان قواهما الاقتصادية ليس فقط في اطار مجموعة البريكس، بل على نطاق أوسع عالمياً، باتجاه خيارات جديدة للإفلات من آثار الأزمة الحالية للرأسمالية الغربية، وذلك عبر تكوين اقتصاد عالمي موازٍ للسوق الرأسمالية. صحيح أنه يقوم على أسس رأسمالية أيضاً، ولكنه يسعى نحو الاستقلال ويأمل بعالم بلا حروب تحكمه الشرعية الدولية، كضرورة نمو وازدهار. وهو، أي عالم الاقتصادات الناشئة المضادة، على خلاف الرأسمالية الإمبريالية، مضطر إلى ألّا يكون إمبريالياً، بل ضد امبريالي، لجهة مصلحته في السلام والاستقرار والتوزيع المتوازن للموارد، وخصوصاً في مجال الطاقة وإدارة إعادة الهيكلة المالية للدول المتعثرة، خارج الشروط الاستعمارية النيوليبرالية لصندوق النقد الدولي. في تغيّر العالم نحو تعددية قطبية في المجال الاقتصادي والمالي، تغير أوباما، ورضخ، شيئاً فشيئاً، لإرادة الرأسمالية الأميركية الغاضبة والقلقة إزاء استقلال نصف البشرية عن هيمنتها الاقتصادية؛ هنا ظهرت الضغوط على دول الاقتصادات الناشئة لإرهاقها في مجالي الطاقة والمال. ومع ما سُمي الربيع العربي، ظهرت، سياسياً، فرصة أميركية لإعادة هيكلة القوى في العالم العربي بما يحافظ على المصالح الأميركية، ويعزل الروس، ويحرم الصين التدفق النفطي السلس ويشدد حصار إيران من دون تكاليف حربية باهظة كالتي دفعتها واشنطن في العراق، وذلك باستخدام الأموال الخليجية والإسلام السياسي بشقيه الإخواني والجهادي. اصطدمت هذه الفرصة بالصمود السوري، المستند إلى القوة الاقليمية النقيض في الشرق الأوسط، إيران وحزب الله، ثم ما لبثت التطورات المصرية منذ ثورة 30 حزيران تصب في الاتجاه نفسه، وإنْ بتدرّج سوف ينتهي الى طلاق مبكر مع السعودية. في تصاعد التوتر بين القوتين الأعظم، الولايات المتحدة والاتحاد الروسي، حول سوريا، والتهديدات بالحرب وحشد الأساطيل في المتوسط، تظل الحقائق الأساسية للاقتصاد العالمي قائمة؛ فقد اعتبرت الدول المجتمعة في قمة مجموعة العشرين في بطرس بورغ، يومي 5 و6 ايلول الجاري، في بيانها الختامي، أن «الانتعاش ضعيف جداً والمخاطر لا تزال قائمة» ولا سيما تلك المرتبطة بـ«النمو البطيء في اقتصادات الدول الناشئة الذي يعكس تأثير تقلبات تدفق الرساميل والظروف المالية الأكثر صعوبة وتقلّب اسعار المواد الأولية». وقبل ان يدافع عن سوريا، انبرى بوتين، في مؤتمر صحافي أمس، للدفاع عن الدول التي تحاول تحقيق ذاتها اقتصادياً، فدعا إلى «ضرورة تحقيق المكاشفة والشفافية في أسواق الطاقة والخامات لكي يكون الوضع فيها قابلاً للتكهن»، أي قابلاً لاحتساب تكاليف انتاج السلع والخدمات وتحقيق النمو وفق الخطط الموضوعة، بدل الفوضى العارمة القائمة في فوضى السوق الرأسمالي. وفي ما يخص الهدف الآخر المطلوب تحقيقه لاستقرار أوضاع الاقتصاد العالمي، وهو خفض عجز ميزانيات الدول، أعلن بوتين «خطة سان بطرس بورغ» لخفض عجز الميزانيات وإجراء الإصلاح الهيكلي الشامل، وأوضح أن هذا سيتحقق «من خلال اتخاذ إجراءات تنظيم أسواق السلع وتنظيم الجباية وتنمية الثروة البشرية وتحديث البنى التحتية». وهي خطة وافقت عليها واشنطن من دون قرار فعلي بتبنيها، فهي تتعارض مع برامج صندوق النقد الدولي، الخاضع للإرادة الأميركية، والذي يفرض على الدول المتعثرة إجراءات تقشفية من دون بديل تنموي. وفي تطور يعكس بروز القوة الاقتصادية العالمية الجديدة للاقتصادات الناشئة، أكد بوتين أن قادة دول مجموعة «بريكس» (البرازيل، روسيا، الهند، الصين، جنوب أفريقيا) اتفقوا على أن تتخذ بالإجماع كافة القرارات الأساسية المتعلقة بنشاط بنك التنمية التابع للمجموعة. وهو المؤسسة المالية الدولية الموازية لصندوق النقد الدولي الغربي. وستدفع مجموعة بريكس 100 مليار دولار لتأسيس صندوق للاحتياطيات النقدية يسعى إلى تحقيق الاستقرار في أسواق الصرف التي تأثرت سلباً بقرار تقليص التحفيز النقدي الأميركي. وستمول الصين، وحدها، 41 بالمئة من هذه الاحتياطيات. نحن، إذاً، نعيش لحظة انقسام العالم إلى نظامين اقتصاديين ماليين لم يعودا قابلين للتعايش في إطار استراتيجي واحد؛ هكذا انتهت الأوبامية واستعاد الرئيس الأسمر «المسالم»، سلفه جورج بوش الابن، بينما تولت روسيا التعبير الاستراتيجي عن مصالح الاقتصادات الناشئة؛ وجاءت لحظة الصدام في سوريا؛ انتهت أوهام جنيف 2 وانتقل الفريقان إلى الصدام المحتوم؛ صدام لن يلجأ إلى الحرب المباشرة بين الدولتين، ولكن إلى حرب مفتوحة بالوكالة. لخص بوتين لقاءه بخصمه الرئيسي بكلمتين: «التقينا لـ 20 دقيقة، وبقي كل منا على موقفه». وأوضح مجدداً أن «استخدام القوة ضد دولة ذات سيادة أمرٌ مرفوض خارج إطار مجلس الأمن»، مشدداً على أنّ «من يريد أن يتصرف بمفرده يخرج عن القانون الدولي»، ومؤكداً أن بلاده «لا تريد الانجرار إلى حرب، لكنها ستواصل دعم دمشق بالمستويات الحالية نفسها في حالة التدخل العسكري الخارجي». ولكي لا يكون هناك التباس، أجاب بوتين عن سؤال المرحلة: «هل سنساعد سوريا؟ نعم سنساعدها. ونحن نساعدها الآن. نمدهم بالأسلحة ونتعاون في المجال الاقتصادي وآمل أن نتعاون بشكل أكبر في المجال الإنساني... لتقديم المساعدة إلى هؤلاء الناس - المدنيين - الذين يكابدون وضعاً صعباً اليوم». ولاحظ أنه «حتى في الدول التي تؤيد توجيه ضربة عسكرية لسوريا، فإن شعوبها ترفض خوض هذه الحرب»، مشيراً إلى أن «معظم الشعب الأميركي يرفض الضربة على سوريا». ورأى أنّ «موضوع الأسلحة الكيميائية ليس سوى ذريعة للتدخل العسكري في سوريا، واستفزاز من المسلحين الذين يأملون دعماً خارجياً». وفي لفتة تعكس تصميم موسكو على معارضة الضغوط الأميركية على النظام المصري الجديد، قال إن «وجود الإرهاب في مصر أمر خطير»، و«نحن سنتعامل مع أي حكومة في هذا البلد». وهي إشارة أولى إلى أن موسكو باتت تعتبر القاهرة حليفاً محتملاً. نجح أوباما، بالمقابل، في حشد إحدى عشرة دولة مشاركة في قمة العشرين، لإصدار بيان وقّعته كل من أوستراليا وكندا وفرنسا وإيطاليا واليابان وكوريا الجنوبية والسعودية وإسبانيا وتركيا وبريطانيا والولايات المتحدة. لم يصل البيان إلى حد الدعوة إلى القيام برد عسكري، لكنه قال: «ندعو إلى ردّ دولي قوي على هذا الانتهاك الخطير للقواعد والضمير العالمي. وهو ما من شأنه أن يبعث برسالة واضحة مفادها أنه يتعين عدم تكرار مثل هذا النوع من الفظائع. يجب محاسبة أولئك الذين اقترفوا هذه الجرائم». واضح أن الضغوط التي سادت أجواء قمة العشرين ضد الحرب، بما في ذلك مواقف ألمانيا والأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، ودول البريكس، قد أثمرت انخفاضاً في لهجة التصعيد الغربي؛ فالرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند، أعلن أنّ فرنسا «تنتظر تقرير محققي الأمم المتحدة، قبل أن تتخذ قراراً بشأن أي تحرك عسكري ضد سوريا»، فيما وجهت برلين الاهتمام نحو مؤتمر دولي لبحث ملف اللاجئين السوريين. وبينما واصل أوباما إعلان مواقف متشددة، فقد أبقى على مخرج فرعي. قال: «أحلتُ الأمر على الكونغرس، لأنني لا أستطيع الزعم أنّ التهديد الناجم عن استخدام (الرئيس بشار) الأسد للأسلحة الكيمائية، يشكل تهديداً وشيكاً ومباشراً للولايات المتحدة». وأضاف أنه «لو كان هناك تهديد مباشر على الولايات المتحدة أو حلفائها، لاتخذتُ إجراءً من دون مشاورة الكونغرس». إنها، بلا شك، خطوة إلى الوراء؛ فلا يزال البيت الأبيض يجري حساباته الصعبة، ويقلّب الأمر، ولا تزال الاحتمالات مفتوحة.