جاءت تطورات الوضع في مصر لتعمق حالة التشوش الذهني لدى الطرفين الاساسيين اللذين كانا مرشحين لادارة السلطة فيما لو استمرت انجازات الثورة وتحولت الى نظام ديمقراطي حقيقي: الاسلاميين والليبراليين.
هذا التشوش له اسباب عديدة ولكن من اهمها، حسب كاتب هذا المقال، الانقلاب العسكري الذي حصد في ساعاته الاولى ارواح حوالي الف مصري اغلبهم من الاخوان المسلمين او المتعاطفين معهم. فقد تم التخطيط للانقلاب بشكل دقيق لفترة زمنية طويلة، وجاء اخراجه بشكل خلط الامور على الطرفين المذكورين. فالليبراليون رأوا في ما جرى ‘انتصارا’ للثورة وارادة الجماهير، و’تحريرا’ للبلاد من الحكم الديني الذي يعتقدون انه سيكون متزمتا. اما الاسلاميون فاعتبروه عملا من تخطيط العسكر وادارتهم، ربما بدعم اجنبي غير واضح المعالم. هذه النظرة ستتواصل برغم اتضاح العديد من الحقائق والخفايا المحيطة بالحدث الدموي غر المسبوق في التاريخ الحديث للثورات التغييرية. وما لم يمتلك الطرفان الشجاعة اللازمة لاعادة تقييم مواقفهما وسياساتهما في الفترة التي سبقت الانقلاب، فلن يستطيعا افشال خطط اعداء الثورة مستقبلا. وثمة حقيقتان محوريتان يجب ان لا تغيبا عن اذهان مخططي مشروع الانقلاب: اولاهما ان الهدف الاساسي لقوى الثورة المضادة اسقاط المشروع الديمقراطي جملة وتفصيلا، وان هناك رفضا قاطعا لقيام نظام ديمقراطي حر يقوم على اساس الارادة الشعبية، وان قوى الثورة المضادة لا تستهدف حكم الاخوان فحسب، بل حكم الليبراليين ايضا فيما لو صعدوا للحكم من خلال صناديق الاقتراع. فالديمقراطية كمبدأ وقيمة وممارسة مرفوضة من قبل هذه القوى التي تعتقد انها في حرب مفتوحة مع من يسعى لاحداث تغييرات جوهرية في النظام العربي المؤسس على الاستبداد. وبالتالي فعلى الليبراليين والاسلاميين التخندق في موقع واحد لمقاومة مشاريع اسقاط الخيار الشعبي والممارسة الديمقراطية. ثانيهما: ان الانقلاب نفذه جنرالات مصر، ولكن المعالم العامة للخطة متفق عليها بين القوى المعادية للتغيير، واغلبها من خارج مصر. اما الاعتقاد بان عبد الفتاح السيسي وزملاءه في القوات المسلحة هم الذين خططوا للانقلاب وحدهم ونفذوه، او انهم يستهدفون الاسلاميين فحسب، فانما هو تشويش للحقيقة وفهم ناقص لديناميكية قوى الثورة المضادة. فرفض الحرية والديمقراطية سابق على وجود التيارات الاسلامية في الدول العربية، ومشروع الاستبداد متصل بحقبة ما بعد الاستعمار واصرار الدول الغربية على ابقاء المنطقة خاضعة لنفوذهم ومستعدة للسكوت على الاحتلال واستلاب ثروات الامة. الاسلاميون في مصر كانوا هذه المرة في فوهة المدفع، ولذلك كان لهم النصيب الاكبر من القمع والتهميش والاعتقال. ويخطىء الليبراليون ونشطاء الثورة اذا اعتقدوا ان اسقاط حكم الاخوان سيقوي الخيار الديمقراطي، لان القبول بمنطق الانقلاب على الشرعية المستمدة من التفويض الشعبي عبر صناديق الاقتراع يساهم في اضعاف المشروع الثوري الاصلاحي لانه يعطي للعسكريين حق التدخل في الشؤون السياسية، الامر الذي يقلب موازين القوى ويغير طبيعة الصراع. فمهما كانت اخطاء النظام المنتخب فان اخطاءه ستكون سبب سقوطه في الانتخابات اللاحقة، ومن غير الصحيح اطلاقا اقحام الجنرالات في الصراع السياسي. الليبراليون، ان كانوا حقا يؤمنون بالديمقراطية والاحتكام الى صناديق الاقتراع، مطالبون بالتصدي للجنرالات، خصوصا بعد ان ظهرت حقيقة مشروعهم باطلاق سراح حسني مبارك والسماح لاعمدة نظامه باستلام مناصب عليا في الدولة. فلم يكن متوقعا من التيارات والعناصر الليبرالية تفويض العسكر بالانقلاب على خيار الشعب. كما ليس مقبولا صمتهم على ممارسات العسكر وما اراقوه من دماء. وبرغم الموقف الخاطىء الذي اتخذه الدكتور محمد البرادعي بقبوله منصب نائب رئيس الوزراء في ظل حكم العسكر، فقد أدرك حقيقة الموقف واستقال من منصبه وغادر البلاد هاربا بجلده من بطش الجنرالات. يسجل للبرادعي هذه الخطوة التي سلبت الانقلاب جانبا من الشرعية السياسية. وفي الوقت نفسه لا يمكن تبرئة الاسلاميين من الاخطاء التي ارتكبوها. والحديث هنا ليس عن الاخطاء الادارية او الفنية في ادارة الحكم، بل عدم التشخيص الصحيح للواقع الذي تعيشه الثورة وسط مؤامرات محلية وخارجية لاسقاط التجربة الانتخابية واعادة النظام السابق. فما كان ينبغي مسايرة قوى الثورة المضادة في اطروحاتها واساليبها الملتوية لحرف مسارات التغيير. وما كان مقبولا من ضحايا انظمة الاستبداد الانصياع لضوابط ‘الايقاع السياسي’ لتلك القوى، وما فرضته من بروتوكولات شيطانية تهدف لتمييع المواقف وتذويب هوية التغيير واهداف الحراكات الميدانية. كان مطلوبا من القوى التي نالت نصيبها من القمع ومثلت امام المحاكم العسكرية ان تستعلي على الخطاب الاستكباري الذي تطرحه قوى الثورة المضادة، وكذلك السجالات الفئوية لانها جميعا تهدف لتمييع المواقف وتضييع الخطاب في مسارات متعرجة لا تطوي مسافة بل تستهوي الجمود والدوران في الدوائر المفرغة. ألم يدرك رواد الصحوة والتغيير ان الخطاب الطائفي سلاح ضدهم وضد جوهر مشروع التغيير؟ ألم يكن واضحا لدى رموز الحركة الاسلامية ان ذلك الخطاب يهدف لاحداث تصدعات في الموقف وتشتيت الرؤى المتقاربة وتشييد جدران نفسية وسياسية ودينية عازلة بين مكونات الامة؟ وما الذي حدث لكبار الرموز الاسلامية ليصبحوا اسرى لمقولات ليس لها واقع وانما تخدم مشاريع التمزيق والتفرقة ومنع تلاحم ابناء الامة من نوع ‘التمدد الشيعي’ وغيرها؟ الآن وقد وقع الفأس في الراس واسقطت منجزات اكبر ثورات الربيع العربي، ما العمل؟ لقد بدأت عملية التمشيط و ‘تطهير المشهد’ بعد المشاهد الدموية والدراما السياسية غير المتوقعة. فها هم جنرالات مصر قرروا تطهير’ الرياضة من ‘الاسلاميين’ ومنع الكثيرين منهم من مشاركة ابناء وطنهم في ما هو مشترك من الرياضة. وأصبح أكثر من نجم رياضي مطلوبا للعدالة بتهمة تكدير الأمن والسلم والتحريض على اعمال عنف، وبدأت السلطات المصرية في تضييق الخناق على كل من ساند الرئيس المصري السابق محمد مرسي. فمنعت سلطات مطار القاهرة الدولي يوم الاربعاء الماضي سمير صبري لاعب إنبي السابق ومنتخب مصر من السفر إلى تركيا. وأدرج اسم الناقد الرياضي المعروف علاء صادق على قائمة المطلوبين بسبب ارائه المناهضة للانقلاب العسكري الأخير. ويعد محمد ابو تريكة نجم المنتخب المصري والنادي الأهلي الأبرز حيث تم إطلاق تسريبات حول استدعائه للمثول أمام النيابة العسكرية على خلفية إهانته القوات المسلحة وتطاوله لفظيا على احد ضباط الجيش في مطار القاهرة بعد حوادث رابعة العدوية وميدان النهضة. وبرغم ان اسلوب الاستئصال هذا ليس جديدا الا انه يعبر عن حالة غير مسبوقة من الصلف وتحدي القانون علنا، وممارسة الاستبداد والبلطجة السياسية بدون حدود او روادع. هذه الاجراءات تعيد للذاكرة ما مارسته قوى الثورة المضادة في البحرين، حيث اعتقل الرياضيون وعذبوا ومنعوا من المشاركة في السباقات الوطنية. ولا يستبعد ان تطال اجراءات الاستئصال الموظفين المدنيين خصوصا اصحاب التخصص في مجالات الطب والهندسة والتعليم. كما انها لن تنحصر بمصر والبحرين بل ان الدول التي شهدت تغييرات ثورية اصبحت مستهدفة من قبل الثورة المضادة بعنف أشد. وقد ادركت القيادات التونسية انها اصبحت في مرمى قوى الثورة المضادة التي لن تتردد عن اتخاذ اي اجراء قمعي لحماية انظمة الاستبداد، خصوصا القوات المسلحة. انه مخاض عسير يعصف بالامة ليعيدها الى ايام الاستبداد المطلق وليساوم الناس على افكارهم ومواقفهم. فمحاكم التفتيش ازدادت انتشارا واستقطابا. واصبحت اجهزة الامن تمارس سياسة الاستنطاق لتجريم حتى الصامتين، ومحاسبتهم على ما يضمرون من افكار ومواقف. المشروع السياسي لدى الاسلاميين اصبح مادة للبحث والدراسة. فهل هو الذي اثقل كاهل الاحزاب الدينية حتى بدأ أكثرها تشددا ينوء بحمله ويستعد للتخلي عنه؟ ام انه جزء ثابت في المشروع الاسلامي لا يمكن العودة اليه في الوضع الحاضر بسبب تعدد مصادر الخطر والاستهداف من قبل اعداء المشروع؟ وماذا عن التيارات المتشددة التي تتبنى العنف وتحاكم الآخرين وحقهم في الحياة وفق انتماءاتهم الفقهية؟ الحقيقة التي تزداد وضوحا بمرور الوقت ان التشدد يجعل صاحبه اكثر استعدادا للمساومة على الموقف من جهة، وأقل وضوحا ازاء الجانب السياسي في المشروع الديني. ولذلك استعصى على قوى الثورة المضادة اختراق التظيمات الاسلامية ذات المشروع السياسي المعلن، بينما استطاعت اختراق القوى المتشددة، واعادة توجيهها بعيدا عن استهداف انظمة الاستبداد. والا فما معنى غياب نشاط هذه المجوعات عن دول بعينها؟ لماذا لا تستهدف قوى الثورة المضادة مثل ‘اسرائيل’ و السعودية بالعنف الذي تمارسه تلك المجموعات؟ لماذا تسيل حمامات الدماء وفق ظاهرة التشطير المذهبي بينما لا تستهدف قوى الاحتلال والديكتاتورية اطلاقا؟ الامر الواضح ان قوى ‘الاسلام السياسي’ تستبعد اساليب العنف في التعاطي مع الآخرين، ولا تتبنى فتاوى التكفير، ولا الفتاوى المحرضة على العنف. فلدى هذه التيارات مصالح كبرى تتمثل بالعمل من اجل اقامة المنظومة الاسلامية وفي مقدمتها تحرر البلدان من الهيمنة الاجنبية ومن الديكتاتورية وحكم الفرد او الحزب او القبيلة. مجموعات الاسلام السياسي تطرح الاسلام ببعديه العقيدي والشرعي، فهو، في مشروعها، منظومات ذات شقين: العقيدة والشريعة. بينما يلاحظ في المجموعات المتشددة تركيزها على العقيدة وابتعادها عن الجانب التطبيقي من المشروع الاسلامي. قوى الثورة المضادة لا تستطيع التعايش مع هذه المجموعات فحسب بل تعمل لاحتوائها واعادة توجيهها لتصبح اداة ضاربة ضد الجهات الاخرى. فالسعودية ترفع راية الالتزام الديني ولكن اطروحتها تلك لا تتعرض للمواجهة او الاستهداف من قبل قوى الثورة المضادة. بينما تستهدف مجموعات واحزاب اخرى ذات طابع اسلامي، مثل الاخوان المسلمين وحزب الله وحماس والجهاد الاسلامي. قوى الثورة المضادة سعت للايقاع بين هذه المجموعات لمنعها من التوصل الى ارضية مشتركة في مواجهة قوى الاحتلال او الهيمنة او الدمقرطة. فالمطلوب حماية قوى الاحتلال والهيمنة بتجريد قوى التغيير الاسلامية من سلاحها العسكري والتنظيمي والعقيدي، بينما يمكن استغلال المجموعات ذات التشدد العقيدي وتوجيهها ضد القوى المعتدلة.انه الامر الذي يدعو للحيرة والاستغراب عدم وضوح الموقف السياسي واهداف قوى الثورة المضادة لدى مجموعات ‘الاسلام السياسي’، وربما يعود ذلك لطبيعة التربية التي استمدتها من الاسلام ومنع التشكيك في النوايا وافتراض الخير في نفوس الآخرين وتوجهاتهم، وبالتالي عدم جواز التشكيك فيهم وفي اهدافهم. عدم الوضوح المذكور تجسد على كافة الصعدان في الفترة الاخيرة. فالاخوان المسلمون استدرجوا لمستنقع الخطاب الطائفي (على الاقل نتيجة شعورهم بالحاجة للتحالف مع المجموعات السلفية( الامر الذي اضعفهم واثار لديهم شعورا عميقا لا يبعد كثيرا عن المشاعر التي يفرضها الانتماء للقبيلة. فلم يتصدوا للسلاح الطائفي الذي استخدم ضدهم بفاعلية، ولم ينطلقوا لتوسيع دائرة التحول نحو الممارسة الديمقراطية، بل اكتفوا بـ ‘توجيه النصح’ و’ممارسة الدعوة’. انه خطاب خطير لا يتسق مع اطروحة اقامة الحكم الاسلامي ومواجهة اساليب القمع لدى قوى الثورة المضادة. فما الذي يمنع هذه القوى من استهداف تلك القوى؟ اهو الشعور بعدم القدرة على تحقيق مكاسب تذكر؟ ام تعمق الشعور بالحاجة المادية والسياسية من تلك القوى؟ ام لعدم استيعاب حقيقة المخطط الذي فرض على الامة بهدف استئصال نشطائها من مواقعهم السياسية الحديثة. أيا كان الامر فقد اصبح واضحا ان ثمة خيطا متينا يربط مجموعات ‘الاسلام السياسي’ وفق منظومة فكرية متقاربة جدا وبعيدة عن الخصوصيات المذهبية، واقرب الى واقع الشعوب المسلمة المتحابة. في هذه الحقبة مطلوب اعادة تحريك الشارع العام المطالب بالتغيير، ولكن بشرط وضوح المشروع في اذهان نشطاء الحركات الاسلامية، والدخول في تحالف وتفاهم وتعاون، واظهار التحدي للانظمة التي تخطط ضد المشروع الاسلامي. وبدون ذلك سيستمر التشوش وتضعف ارادة التغيير وينتصر اعداء الثورة ويتغول الاستبداد، وتنتهي بذلك ثورات الربيع العربي جملة وتفصيلا.