تداولت كثير من وسائل الإعلام التونسية في وقت سابق أخبارا مفادها قرب حصول انقسامات داخل حركة "النهضة" بين ما يسمى بالحمائم والصقور. ويتزعم الفريق الأول رئيس الحكومة السابق وأمين عام الحركة حمادي الجبالي بمعية الشيخ المعتدل، نائب رئيس الحركة، عبد الفتاح مورو، وكذا وزير حقوق الإنسان والعدالة الإنتقالية سمير ديلو. أما الفريق الثاني وهو الغالب فيمثله رئيس الحركة الشيخ راشد الغنوشي وغالبية قادتها وقواعدها، الذين تميزت مواقفهم باستمرار بالتشدد وعدم التنازل للطرف المقابل. ويسمي بعض المحللين الشق الأول بـ"الأندلسيين" باعتبار انحدار كثير منهم من عائلات أندلسية هاجرت إلى بلاد المغرب، ومنها تونس، بعد سقوط غرناطة بيد الإسبان ونهاية الحكم الإسلامي في شبه الجزيرة الإيبيرية، كما يطلق هذا اللفظ على هؤلاء نظرا إلى اعتدالهم وانفتاحهم وميلهم إلى الحوار مع الطرف المقابل على غرار ما عرف به أهل الأندلس. ويطلق على الفريق الثاني تسمية "النجديين" نسبة إلى نجد في جزيرة العرب التي ينحدر منها أغلب سكان الجنوب التونسي ومنهم كثير من قادة "النهضة" من قبائل بني هلال وبني سليم، ونظرا إلى تشدد هذا الفريق وميله إلى الصدام مع خصومه. المنفيون والمساجينلكن هذا التصنيف الذي درج عليه كثير من المحللين والمهتمين بشؤون الحركة الإسلامية في تونس بات غير ذي جدوى في عملية فهم حركة " النهضة " وسبر أغوارها خاصة بعد الإختلاف الأخير في الرؤى بين رئيس الحركة راشد الغنوشي ورئيس الحكومة علي العريض، والمتمثل في قبول رئيس الحركة لمبادرة الإتحاد العام التونسي للشغل لحل الأزمة السياسية في تونس، والتي تنص على حل الحكومة والإبقاء على المجلس التأسيسي بصلاحيات محدودة ولفترة زمنية قصيرة، في مقابل رفض رئيس الحكومة علي العريض لهذه المبادرة وإصراره على مواصلة الحكومة لعملها إلى حين فراغ المجلس التأسيسي من كتابة الدستور. فبعد هذا الإختلاف الجوهري بات الرأي العام التونسي يتحدثعن انقسامات داخل حركة النهضة، ليس بين الأندلسيين والنجديين، وإنما بين تيار " الهجرة " الذي يمثله الشيخ راشد الغنوشي الذي عاش فترة طويلة خارج البلاد إبان حكم بن علي بمعية عدد لا بأس به من أبناء الحركة الذين توزعوا على بريطانيا وفرنسا وألمانيا وبعض البلدان السكندنافية والجزائر وحتى البرازيل، وبين التيار السجني الذي يمثله رئيس الحكومة علي العريض ومن بقي معه من أبناء الحركة في تونس وواجهوا سجون بن علي ولاقوا أبشع صنوف التعذيب داخلها. فهذا التيار الأخير، وبحسب المقربين من الحركة، يرى بأنه صاحب الشرعية وهو الذي عانى الأمرّين وصمد بوجه بن علي بخلاف الآخرين الذين وإن تشردوا في المنافي إلا أنهم لم يتعرضوا لعذابات ما يسمى ب " سنوات الجمر ".تضامنويلاقي التيار السجني تضامنا كبيرا من السواد الأعظم من قواعد الحركة الرافضين لأي شكل من أشكال التفاهم مع المعارضة بحجة الشرعية التي منحتهم إياها انتخابات ۲۳ أكتوبر ۲۰۱۱. ويعتبر هؤلاء أن السلطة من حقهم دون سواهم باعتبارهم أكثر من عانى من استبداد بن علي، كما يعبر هذا التيار عن خشيته من إعادته إلى السجون بمجرد تنازل حركة النهضة عن الحكم سواء بالتوافق مع المعارضة أو بالهزيمة خلال الإنتخابات، وذلك برغم التطمينات من قبل قادة المعارضة وحديثهم في أكثر من منبر على أن زمن إيداع المعارضين السجون ولّى وانقضى مع زين العابدين بن علي ولا يمكن إعادة عقارب الساعة إلى الوراء. كما يساند التيار السجني في رؤاه حزب " المؤتمر " الذي يرأسه رئيس الجمهورية المنصف المرزوقي والأحزاب المتفرعة عنه على غرار حركة " وفاء " بزعامة المحامي عبد الرؤوف العيادي و " التيار الديمقراطي " الذي أسسه أمين عام المؤتمر السابق المحامي محمد عبو، وأيضا الأحزاب الإسلامية التي تصنف في علم الإجتماع السياسي على يمين حركة " النهضة " أي الأكثر راديكالية من الحركة نفسها على غرار حزب " التحرير " والتيار السلفي وغيره. وهو ما يجعل هذا التيار الأكثر شعبية لدى الجماهير التي صوتت خلال الإنتخابات السابقة لحركة " النهضة ".تبادل أدوار لذلك يجد رئيس الحركة راشد الغنوشي نفسه في موقف لا يحسد عليه أمام الأوروبيين الذين راهنوا كثيرا على لقائه في باريس بالباجي قائد السبسي زعيم المعارضة للوصول إلى حل للأزمة التونسية. كما يجد الغنوشي نفسه محرجا أمام قواعده التي انساقت في وقت سابق وراء عملية شنه لحملات الشيطنة والتشويه ضد الخصوم السياسيين وعلى رأسهم الباجي قائد السبسي. حتى إن أصواتا قيادية داخل حركة النهضة تعالت مرددة بأن الغنوشي لا يمكنه اتخاذ القرارات بصورة منفردة وإنما من خلال مؤسسات الحركة، فما دامت هذه المؤسسات الشرعية المنتخبة لم توافق على مبادرة اتحاد الشغل فلا يحق للغنوشي أن يتبناها. وبالتالي فإن كثيرا من المراقبين يحذرون من حصول تصدعات داخل الحركة خلال الفترة القادمة مع تنامي ضغوط الداخل والخارج على الحركة الإسلامية. في المقابل فإن بعض المحللين يؤكدون أن ما يحصل من اختلافات بين الغنوشي زعيم تيار "المهجر" والعريض الزعيم الجديد للتيار "السجني" لا يعدو أن يكون سوى تبادل للأدوار ومناورة من الحركة هدفها ربح الوقت للتخلص من الضغوط الشعبية التي تلت اغتيال الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي. فبحسب هؤلاء يقدم الغنوشي للمعارضة بيد، ما يأخذه العريض منها باليد الأخرى. فرئيس الحركة يظهر لحلفائه الغربيين ولـ"شركائه الجدد" في المعارضة أنه راغب في حلحلة الأزمة وساعٍ لقبول جميع المبادرات لكنه يتحجج برفض العريض وتياره حتى يتنصل من التزاماته، بحسب أصحاب هذه النظرية. لكن رغم هذه التأويلات فإن مقربين من الحركة وعارفين بخباياها يصرون على وجود صراعات داخلية بين أجنحة متعددة زادها تصنيف "أنصار الشريعة" في عداد المنظمات الإرهابية تأججا، حيث وبخلاف ما ذهب إليه رئيس الحكومة فإن قياديين مثل الحبيب اللوز والصادق شورو والعجمي الوريمي يرفضون هذا التصنيف ويبرئون ساحة هذا التنظيم السلفي مما شهدته تونس من أعمال إرهابية.