لندع جانباً كل ما يتردد من اتهامات غير موثقة بما فيه الكفاية حول العلاقات الحميمة بين تنظيم "القاعدة" وإفرازاته من جهة، وبين جميع أعداء سوريا، بدءًا بواشنطن وأوروبا وانتهاءً بتركيا و"إسرائيل" والعديد من العواصم العربية. ولندع جانباً حتى الاستخدام الأميركي للمتشددين الإسلاميين في الحرب على السوفيات في أفغانستان. ولنصدق مؤقتاً الزعم القائل بأن المتشددين قد انقلبوا على الولايات المتحدة وحلفائها العرب وغير العرب، ونفذوا ما نفذوه من تفجيرات في الولايات المتحدة وأوروبا وإفريقيا وغيرها كتعبير عن هذا الانقلاب الذي نقلهم إلى لوائح الإرهاب المعروفة بعد أن كانوا "مجاهدين" –في الصف الأميركي- ضد العدو المشترك، الاتحاد السوفياتي الكافر. ولنعرض أيضاً عن إخراج آلاف المعتقلين المنتمين إلى تنظيمات إرهابية من السجون، لا سيما من السجون السعودية، وإرسالهم إلى سوريا للقتال من أجل إقامة الديموقراطية فيها...  ولنقتصر على بعض الوقائع الدامغة التي تمخض عنها الحدث السوري.  من هذه الوقائع، تلك المقولة التي طالما رددها أعداء النظام السوري والقائلة بأن "إسرائيل" تفضل بقاء نظام الأسد إذا كان البديل هو وصول المعارضة المسلحة إلى الحكم. والحقيقة، أن هذه المقولة قد اكتسبت قوة كبيرة جراء تردادها أيضاً على ألسنة العديد من المسؤولين والمحللين الإسرائيليين. فعلى سبيل المثال، نشرت صحيفة "تايمز" في عددها الصادر في 18 أيار / مايو الماضي، تصريحاً لأحد كبار المسؤولين في الاستخبارات الإسرائيلية قال فيه : "إن بقاء نظام الأسد ولكن بصورة أضعف هو أفضل خيار لإسرائيل وللمنطقة المضطربة". وأضاف : "الشيطان الذي تعرفه خير من الشياطيين التي يمكن أن تتخيلها إذا سقطت سورية في الفوضى ووصل إليها المتطرفون من مختلف دول العالم العربي". وقد عمدت وسائل إعلام عربية عديدة إلى تلقف هذه التصريحات وأعادت نشرها على نطاق واسع لما تتمتع به من تأثير كبير على الرأي العام. لأن الأكيد أن أي إنسان شريف من العرب والمسلمين الذين يكونون قناعاتهم دون الاستناد إلى وعي حقيقي بطبيعة المشكلة، لا يمكن إلا أن يتخذ موقفاً معادياً للنظام السوري ومؤيداً للجماعات المسلحة، لمجرد أن يسمع أن الإسرائيليين يفضلون بقاء النظام السوري ويتخوفون صراحة من وصول الجماعات المسلحة إلى الحكم. والأكيد أن هذه المقولة قد لعبت دوراً هاماً في تحفيز نزعة العداء للنظام السوري وأسهمت في دفع الكثيرين إلى حمل السلاح والانضمام إلى الجماعات المسلحة التي تقاتل النظام على الأراضي السورية. وهنالك وقائع عديدة دللت على أن الكثيرين من المقاتلين غير السوريين الذين يتم إرسالهم إلى سوريا يظنون بأنهم يقاتلون العدو الإسرائيلي. ولا يخفى بالطبع أن المقولة المذكورة تندرج في إطار الكذب والتضليل والتسميم الإعلامي الذي غالباً ما تعتمده قوى الهيمنة من أجل تمرير مشاريعها الشيطانية. فقد كشفت عن ذلك المواقف التي اتخذها الإسرائيليون خلال الأيام القليلة الماضية من مسألة الضربات التي يقول الأميركيون بأنهم ينوون توجيهها إلى سوريا. ففي الوقت الذي كان باراك أوباما يكرر فيه عزمه على توجيه ضربات محدودة لسوريا، كان أعداء سوريا الآخرون، وفي طليعتهم الإسرائيليون، يرفعون سقف مطالبهم ويقترحون استمرار الضربات حتى إسقاط النظام السوري ويبدو أن الإسرائيليين وحدهم قد توقفوا أمام طبيعة النظام الذي قد يقوم بعد سقوط الأسد، وخلصوا إلى نتيجة مفادها أن الجماعات المتشددة هي المرشحة أكثر من غيرها لوضع اليد على السلطة في سوريا. لكنهم لم يبدوا تخوفهم المعهود إزاء مثل هذا التطور المحتمل، بل وجدوا فيه، على العكس من ذلك، أمراً "جيداً تماماً"، حيث أكدوا في تصريحاتهم على أن الضربات الأميركية يجب ان تمنع النظام في دمشق من تحقيقِ الانتصارِ على الجماعات المسلحة ، لأن سيطرة هذه الجماعات، حتى المتطرفة منها على سوريا أفضل بالنسبة "لإسرائيل" من بقاء نظام الاسد. والمعروف أن هذه الجماعات، وفي طليعتها "جبهة النصرة" التي وضعها الأميركيون على لائحة الإرهاب هي امتدادات لتنظيم "القاعدة" الموضوع بدوره على لوائح الإرهاب الأميركية وغير الأميركية. ومع هذا، فإن رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة، الجنرال مارتن ديمبسي، قد أبدى ارتياحه لما أسماه بـ "التعاون المؤقت" بين المعارضة السورية المعتدلة والمتشددين، نظراً لاتفاقهم على هدف مشترك هو إسقاط نظام الرئيس الأسد. لكنه لم يشر إلى كون الولايات المتحدة تشارك القاعدة في العمل من أجل تحقيق هذا الهدف. كما لم يشر إلى كون الكثيرين من المضللين الذين يظنون أنهم في حرب ضد أميركا و"إسرائيل" لا يفعلون غير تقديم الخدمات لأميركا و"إسرائيل"