أعلن رئيس الحكومة التونسية علي العريض رسميا، وخلال ندوة صحفية عقدها في قصر الحكومة في القصبة عن تصنيف تنظيم "أنصار الشريعة" السلفي كتنظيم إرهابي مع ما يترتب على ذلك من ملاحقات أمنية وقضائية ستطال المنتمين إليه قريبا. واتهم العريض التنظيم، الذي يعتبر المزود الرئيسي لـ"كتيبة عقبة بن نافع" (فرع تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي في تونس) بالمقاتلين، بالتورط في جريمتي اغتيال الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي وبالوقوف وراء أحداث الشعانبي التي فقدت خلالها القوات المسلحة التونسية وقوى الأمن والحرس الوطنيين عدداً من العناصر. وتشير تقارير عدة إلى تورط تنظيم "أنصار الشريعة" الذي يقوده المدعو "أبو عياض" المتواري عن الأنظار، في تجنيد الشباب التونسي وإرساله للقتال في سوريا ضد القوات النظامية، وهو ما سيمثل بحسب البعض ضربة قاصمة لهذه الشبكات التي بدأ الأمن التونسي في تفكيكها، وإن بصورة متأخرة، بفعل غياب القرار السياسي وتباطؤ حركة "النهضة" في تتبع المعتدين وهي التي اتهم بعض قيادييها بعلاقاتهم الوطيدة مع بعض قادة تنظيم "أنصار الشريعة". تسريباتوالحقيقة أن ما أعلن عنه علي العريض لم يكن مفاجئا للرأي العام في تونس باعتبار أن عدداً من التسريبات من التحقيقات المجراة مع منتمين إلى تيار " أنصار الشريعة " تم القبض عليهم في الشعانبي وفي المداهمات الأخيرة لقوى الأمن والحرس الوطنيين في كل من العاصمة ومدن سوسة والقصرين، أفادت بتورط عناصر هذا التنظيم المرتبط بالقاعدة في بلاد المغرب الإسلامي في عمليات الاغتيال التي طالت المعارضين التونسيين وعناصر الجيش والأمن. كما أفادت بعض التسريبات من مسؤولين أمنيين لوسائل الإعلام، في وقت سابق، بقرب الإعلان عن تصنيف " أنصار الشريعة " في عداد التنظيمات الإرهابية. فأبو عياض(زعيم التنظيم) وكمال القضقاضي(قاتل شكري بلعيد) يترددان بحسب التسريبات اعلى منطقة جبل الشعانبي ويلتقيان بعناصر القاعدة هناك. حتى أن أحد المقبوض عليهم في جبل الشعانبي تحدثعن إمامة قاتل شكري بلعيد للصلاة بالإرهابيين باعتباره بطلا في نظرهم وقد خلصهم من أحد " الكفرة اليساريين ". كما أن مخازن الأسلحة الثقيلة المهربة من ليبيا والتي تم ضبطها أثناء مداهمات لعناصر الأمن على منازل في ضواحي العاصمة وفي مدن أخرى متورط فيها هذا التنظيم الذي تفيد التحقيقات بأن هدفه كان قلب نظام الحكم وإقامة إمارة إسلامية سلفية في تونس من منطلق فتوى تعتبر حركة " النهضة " حركة غير إسلامية باعتبارها لم تطبق الشريعة وتعتبر العلمانيين كفارا والجيش التونسي " جند الطاغوت " الذي وجب التخلص من عناصره.رضوخويعتبر تصنيف " أنصار الشريعة " كتنظيم إرهابي أحد أهم مطالب المعارضة التونسية التي تنادي بإسقاط الحكومة وإنهاء حكم النهضة. ويبدو أن الحركة الحاكمة في البلاد بدأت في تلبية مطالب المعارضة وذلك مباشرة بعد لقاء باريس الذي جمع الخصمين اللدودين في البلاد الباجي قائد السبسي وراشد الغنوشي وقيل ان صفقة ما عقدت خلاله. فهذا اللقاء الذي جمع بين من رفضا التصافح في وقت سابق خلال المناسبات الوطنية، ساهم في تبدل خطاب حركة " النهضة " إزاء أشرس معارضيها. فقد صرح زعيم الحركة راشد الغنوشي في لقاء تلفزيوني مؤخرا بأن حزب نداء تونس الذي يرأسه قائد السبسي سيكون شريكا في الحكم وسينال الحصة التي تليق بحجمه الجماهيري الكبير. ويرى مراقبون أن حركة " النهضة " كما المعارضة التونسية بصدد الاستفادة من التجربة المصرية وذلك بالعمل على عدم تكرار السيناريو المصري في تونس. فالكل لديه رغبة حقيقية في الوصول بالبلاد إلى بر الأمان وتحقيق التوافق بشتى السبل. فاقتصاد البلاد سينهار لو تواصلت الأزمة السياسية، والإرهاب سيتمكن من إصابة الدولة في مقتل لو تواصل الصراع السياسي بين الفرقاء، وهو ما يبدو أن الطبقة السياسية شاعرة به يدعمها في ذلك الأوروبيون الباحثون عن استقرار تونس ليس حبا فيها وفي شعبها انما خشية من تصدير الإرهاب والمهاجرين السريين من شواطئ المتوسط الجنوبية إلى بلدان القارة العجوز.أموال طائلة ولعل السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو ذلك المتعلق بالجهة أو الدولة التي تقف وراء تنظيم "أنصار الشريعة" والتي دفعت به إلى تلك الاغتيالات. فالأمن وكذا القوات المسلحة بذلا ما يكفي من جهد لتعقب الإرهابيين والقتلة والقبض عليهم وتفكيك شبكاتهم وينتظرهم المزيد، لكن الجهات السياسية والاستخبارية ما زالت لم تكشف اللثام عمن أعطى أوامره ومول العمليات الإرهابية. فمما لا شك فيه أن أموالا طائلة وصلت إلى تنظيم "أنصار الشريعة" جعلته ينجح في زعزعة استقرار البلاد، فبدون أموال ودعم لوجيستي لا يمكن لجماعة أبي عياض أن تحقق ما حققته. كما أنه من شبه المؤكد أن هناك ممولين ومتعاونين داخل الأجهزة الأمنية وفي شركات الاتصالات وغيرها، ولا بد للتحقيقات من أن تميط عنهم اللثام. لذلك، ولئن استبشر البعض هنا في تونس بما أعلن عنه السيد علي العريض، إلا أن الحذر بقي الطاغي على التصريحات الأولية لبعض المحللين من الإعلاميين والسياسيين. فالكل راغب في المزيد ومتعطش لمعرفة الجهة التي تهدف إلى زعزعة استقرار تونس، خاصة وأن شكوكا عديدة تحوم حول ما يتم الإعلان عنه من قبل الحكومة بعد غياب الثقة بين الفرقاء السياسيين. أما جيش البلاد فيواصل عملياته العسكرية في الشعانبي قصفا بالمدفعية والطيران الحربي مع توغلات محدودة بالمدرعات والجنود المشاة والفرق الخاصة، بعد أن اضطر إلى حرق مساحات هامة من محمية الشعانبي لتعقب الإرهابيين في كارثة بيئية لم يشهد لها تاريخ تونس الخضراء الحديث مثيلا، إذ يؤكد الخبراء على حصول ضرر فادح في الغطاء النباتي وكذا في الثروة الحيوانية للمحمية