لم تقتصر حالة الارتباك في طرابلس جراء التفجيرين الإرهابيين اللذين استهدفا مسجدي " التقوى " و " السلام " على الأجهزة الإغاثية فحسب، بل انسحبت على الأجهزة القضائية والأمنية.
فقد شاركت وسائل الاعلام ومواقع التواصل الاجتماعي على اختلافها الأجهزة القضائية والأمنية في التحقيقات وفي نشر أسماء المشتبه بهم وتحليل أدوارهم في تنفيذ الجريمتين، فتم عرض مخزون كاميرات المراقبة على شاشات التلفزة قبل أن تصل إلى يد الأجهزة الأمنية المعنية، فتسابقت في تحليلها وفي توجيه الاتهامات تبعا لتوجهاتها السياسية. وكادت هذه السابقة أن تتسبب بفتنة كبرى سواء في طرابلس أو في المنية أو في عكار، بفعل تسريب عملية توقيف الشيخ أحمد الغريب في منزله في النبي يوشع، ومعلومات أخرى تداولتها مواقع التواصل الاجتماعي عن العثور على أسلحة ومتفجرات وخرائط لمساجد «التقوى» و «السلام» والايمان في منزله في محلة أبي سمراء، فضلا عن نشر اعترافات أدلى بها، ليتبين أنها اعترافات مفبركة. وكاد هذا التحريض أن يدفع ببعض المجموعات المسلحة إلى القيام بأعمال انتقامية ضد التنظيمات المحسوبة على «قوى ۸ آذار» في طرابلس والمنية وعكار، وفي مقدمتها «حركة التوحيد الإسلامي» التي سارعت إلى التأكيد بأن الغريب لا يمت إليها بصلة، وأنه كان مكلفاً من قبل رئيس مجلس قيادة الحركة المنشق عن الأمانة العامة الشيخ هاشم منقارة بمتابعة ملف معين مع القيادة السورية، وقد طلبت «الأمانة العامة» من الأجهزة الأمنية تحمل مسؤوليتها في هذا المجال «لأن التحريض بلغ منحى خطيرا». وفي الوقت الذي نفت فيه مصادر أمنية ل «السفير» العثور على متفجرات وخرائط في منزل الغريب، سارعت المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي إلى نفي كل المعلومات التي تم التداول بها على مواقع التواصل، مؤكدة أن التحقيقات تجري بسرية تامة تحت إشراف القضاء المختص. وتقول المعلومات الأمنية المتوفرة ل «السفير» أن سيارتين محملتين بمئة كيلو غرام من مادة ال «تي إن تي» الشديدة الانفجار، في كل منهما، دخلتا إلى شوارع طرابلس ظهر يوم الجمعة المنصرم، الأولى، من نوع «فورد» رباعية الدفع لونها زيتي، والثانية من نوع «ب أم X۵» رباعية الدفع أو من طراز «مرسيدس ML». وعند الواحدة و۲۰ دقيقة سلكت سيارة «X۵» او ال «مرسيدس ML» طريقها باتجاه مسجد «التقوى» الذي كانت السيارات تحيط به من كل مكان، تواكبها سيارة أخرى مجهولة، وقد حاول السائق رصفها صفا ثانيا مقابل الباب الرئيسي للمسجد القريب من المنبر الذي كان يخطب عليه الشيخ سالم الرافعي، محاولا إيهام الحرس بأنه يريد الاسراع إلى المسجد ليؤدي الصلاة قبل بدايتها، لكنهم لم يسمحوا له بالتوقف، وطلبوا منه إيجاد مكان آخر في الباحة الملاصقة للمسجد. وبالفعل وبحسب المعلومات، فقد انتقل السائق بسيارته إلى الباحة المحاذية للمسجد حيثيوجد معرض للسيارات ومحل لبيع الخرطوش ولوازم الصيد وصيدلية ومتجر لبيع البرادي و «محامص الأمين»، فسارع إلى رصفها أمام أحد باعة العصير الموجود في الباحة وترجل منها وطلب منه كوبا من العصير وأعطاه ۲۰ ألف ليرة لبنانية، وفيما كان البائع يفتش في صندوقته ليرد له المال، سارع السائق إلى المغادرة تاركا وراءه السيارة التي لفتت أنظار الباعة، فحاول الشهيد فراس جابر(بائع عصير ليمون) اللحاق به لتوقيفه قبل أن يستقل سيارة أخرى كانت في انتظاره والفرار من المكان، لكن الانفجار كان أسرع فدوى عند الواحدة والنصف تماما فأصاب فراس، ومعه المئات من الشهداء والجرحى ودمر محيط المسجد بكامله وأحدثحفرة قطرها ۳ أمتار وعمقها متران. وساهمت المواد المتفجرة في المحل المعد لبيع الخرطوش ومعرض السيارات في تأجيج الحريق وتوسع رقعته. وترجح المعلومات أن السيارة كانت مجهزة بساعة توقيت، لأن الانفجار كان معدا لحظة خروج المصلين من المسجد لقتل أكبر عدد منهم، لكن تأخيرا حصل نتيجة عطل في المولد الكهربائي أدى إلى إطالة أمد الخطبة فانفجر بينما كان المصلون ما يزالون داخل المسجد. بعد التفجير الأول، انطلقت السيارة الثانية وهي من نوع «فورد» بمواكبة سيارة مجهولة، باتجاه مسجد «السلام»، ولدى وصولها إلى المكان لم يجد سائقها إمكانية لرصفها مقابل الباب الرئيسي للمسجد، بسبب وجود زحمة سيارات وعربات الباعة، فتقدم بها وأوقفها في المكان الذي يفصل بين باب المئذنة ومدخل مجمع «ماكس» التجاري. وترجل السائق منها سريعا بحجة الدخول إلى المسجد للصلاة قبل انتهاء الشيخ بلال بارودي من الخطبة، لكنه عدل من مساره باتجاه الشارع العام وركب السيارة التي كانت تواكبه وفر بها إلى جهة مجهولة، لتنفجر سيارة «الفورد» وتحصد المئات من الشهداء والجرحى وتخلف أضرارا مادية جسيمة في الممتلكات والأبنية السكنية وتحدثحفرة قطرها أربعة أمتار وعمقها ثلاثة أمتار. وكذلك الأمر فان إطالة الشيخ بارودي لوقت الخطبة هو الذي حمى المصلين من مذبحة حقيقية. وعلمت «السفير» أن الأجهزة الأمنية تعمل حاليا على تحليل الاتصالات التي أجريت على مدى ۲٤ ساعة قبل الانفجارين وبعدهما، من البحصاص عند المدخل الجنوبي لطرابلس وحتى البداوي عند المدخل الشمالي، كما تم سحب كل محتويات كاميرات المراقبة في محيط المسجدين وفي كل الشوارع القريبة التي يمكن أن تكون السيارتان قد سلكتاهما وذلك لكشف أي خيط يمكن أن يقود إلى معرفة الفاعلين. وتشير المعلومات إلى أن عصف الانفجارين ذهب في اتجاهات بعيدة عن الهدفين، ففي مسجد «التقوى» ذهب باتجاه بساتين السقي ومستديرة أبو علي، وفي مسجد «السلام» ذهب باتجاه مستديرة الميناء، ما يشير إلى حالة الارتباك التي كانت تسيطر على السائقين اللذين كانا يقودان السيارتين، وتؤكد التحليلات أنه لو كان العصف باتجاه المسجدين لكان ارتفع عدد الشهداء والجرحى، ولكانت الأضرار المادية مضاعفة لا سيما في موقع مسجد «السلام» الذي تحيط به الأبنية السكنية من كل جانب. وعاين النائب العام التمييزي بالإنابة القاضي سمير حمود ومفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي صقر صقر مسرح الانفجارين في طرابلس. وكلف صقر كلا من مديرية المخابرات في الجيش وشعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي والشرطة العسكرية وقائد سرية الشمال، إجراء التحقيقات الأولية وجمع الأدلة ومسح مكان الانفجارين وجمع كل ما من شأنه تبيان هوية الفاعلين. كما كلف الطبيب الشرعي إجراء فحوص الحمض النووي على الأشلاء والجثثالمجهولة الهوية تمهيدا للتعرف على أصحابها. وضمن هذا الاطار، بدأت القوى الأمنية في طرابلس باتخاذ كل التدابير الاحترازية لمنع تكرار هكذا أعمال إرهابية، وأصدرت قيادة الجيش مديرية التوجيه بيانا جاء فيه: «على اثر الانفجارين الإرهابيين اللذين استهدفا مدينة طرابلس يوم أمس، قامت وحدات الجيش المنتشرة في المدينة، ولا تزال، بتكثيف إجراءاتها الأمنية لمنع الاخلال بالأمن والاستقرار ورصد أي أعمال مشبوهة. وقد شملت هذه الاجراءات، انتشارا للقوى العسكرية في مختلف الأحياء والطرقات والمنشآت الحيوية، وتركيز نقاط مراقبة وتسيير دوريات واقامة حواجز تفتيش». الى ذلك بدأت جمعيات إسلامية طرابلسية باتخاذ إجراءات احترازية أمام مساجدها لجهة منع رصف السيارات على جانبي الطريق وذلك تحسبا من حدوثأية أعمال إرهابية جديدة.