كلّ شيء كان يؤثّر، على أنّ المواجهة الحاسمة بين المؤسّسة العسكريّة مدعومة بتحالف عريض من القوى اللّيبراليّة والمدنيّة والتّحالف العريض الّذي يضمّ الإخوان والقوى الإسلاميّة المؤيّدة لها، واقعة لا محالة، وذلك لجملة اعتبارات، أبرزها: أوّلاً؛ إنّ الإخوان الّذين بنوا مشروعهم المحلّيّ والدّوليّ منذ ثمانين عامًا لن يكون سهلاً عليهم التّسليم بفقدان فرصتهم التّاريخيّة للإمساك بحكم مصر، الّتي تشكّل نقطة الارتكاز لهذا المشروع في المنطقة العربيّة تحديدًا. ولذا كان طبيعيًّا أن يتمسّكوا بالسّقف العالي، المتمثّل على نحوٍ رئيس بإعادة الاعتبار لشرعيّة انتخاب الرّئيس المعزول محمّد مرسيّ كنقطة انطلاق رئيسة لأيّ حلّ، بما يعني عمليًّا التّعاطي بإنكار لكلّ ما جرى في 30 حزيران الفائت، واعتباره كأنّه لم يحدث. وهم اعتمدوا في ذلك على الاعتصام في ميدان النّهضة ورابعة العدويّة، وعلى تبنّي سياسة تجييش دينيّة تعتبر معركة إعادة مرسيّ معركة الدّفاع عن الإسلام، وتعلن استعدادها للذّهاب إلى النّهاية، حتّى لو كلّفت هذه المعركة مليون شهيد مصريّ، إضافة إلى اعتبارها أنّ الوجه الآخر لهذه المعركة هو الدّفاع عن الدّيموقراطيّة الوليدة في مصر. وبناءً عليه، رفض الإخوان أيّ طرح لا ينطلق من السّقف العالي الّذي وضعوه، ما عنى عمليًّا الحكم بفشله مسبقًا. ثانيًا؛ من جهتها، المؤسّسة العسكريّة رفضت أيّ حلّ لا ينطلق من النّتائج الّتي أرستها مسيرة 30 حزيران غير المسبوقة شعبيًّا، وما أفرزته من نتائج سياسيّة، وخارطة طريق جديدة للحلّ، معتبرة أنّ أيّ تراجع ولو بمثابة خطوة صغيرة واحدة سيشكّل هزيمة لها لا تحتملها. وقد عزّزت المؤسّسة العسكريّة من موقفها هذا عندما دعت إلى ما يشبه المبايعة الشّعبيّة لأيّ قرار عسكريّ أو أمنيّ حاسم تتّخذه في مواجهة ما أسمته الإرهاب. صحيح أنّ المتبادر الأوّليّ من محاربة الإرهاب كان يذهب إلى شنّ حملة عسكريّة على المجموعات المسلّحة في سيناء، إلاّ أنّ ربطًا سرعان ما جرى بين هذه المجموعات والإخوان ساعد عليه بعض المواقف الّتي صدرت عن قيادات أساسيّة في الإخوان؛ كما سرعان ما واكب ذلك حملة إعلاميّة واسعة تحمّل الإخوان مسؤوليّة انحدار الأمور نحو الفوضى الشّاملة في مصر، متّهمة المجتمعين في ميداني الاعتصام بالتّضييق على النّاس وبتعطيل حياتهم اليوميّة، وبتحويلهما إلى ما يشبه الثّكنات العسكريّة. باختصار، كان واضحًا أنّ ثمّة قرارًا متّخذًا بحسم الأمور، لكنّه ينتظر التّوقيت المناسب، خصوصًا في ظلّ زحمة المبادرات الخارجيّة والدّاخليّة لإيجاد مخرج ما، وفي ظلّ حراجة الإقدام على خطوة كهذه في أجواء شهر رمضان المبارك وعيد الفطر. ثالثًا؛ إنّ معظم المبادرات والتّدخّلات الخارجيّة، لا سيّما الأميريكيّة والأوروبيّة منها، وإن كان ظاهرها الدّفع باتّجاه إيجاد حلّ سياسيّ للأزمة المستجدّة، إلاّ أنّ باطنها كان يشي بشيء معاكس تمامًا، حيث أوحت هذه المبادرات وكأنّها تارة تأخذ جانب الإخوان، وطورًا جانب المؤسّسة العسكريّة، ما عمّق الشّكوك والظّنون بين الاثنين، ودفع كلاًّ منهما إلى التّمسّك بموقفه. رابعًا؛ إنّ الدّولتين المعنيّتين مباشرة بما يجري في مصر، ومن موقع النّقيض، كانا يدفعان بوعي أو بدون وعي إلى المواجهة الحاسمة. هاتان الدّولتان هما السّعوديّة وتركيّا. النّظام السّعوديّ أعلن وبوضوح دعمه للإطاحة بمرسي، وبالتّالي بتجربة الإخوان في مصر، بينما لم تخفِ تركيّا دعمها المباشر للإخوان ووقوفها مع مطالبهم استنادًا إلى مركزيّة حكم الإخوان لمصر في مشروع الخلافة العثمانيّة ىالجديدة، الّذي يتطلّع إليه أردوغان. ولذا كان مفهومًا أن يتنادى التّنظيم الدّوليّ للإخوان إلى عقد اجتماعه في اسطنبول دعمًا للإخوان. باختصار، إنّ كلاًّ من النّظام السّعوديّ والتّركيّ كان يخوض في مصر معركة حاسمة لا وسط فيها، الأمر الّذي جعل أيّ محاولات حريصة أخرى لإيجاد تسويات غير مسموعة. خامسًا؛ كان واضحًا أيضًا، أنّ هناك أطرافًا داخليّة فاعلة وقويّة تدفع باتّجاه الحسم داخل ائتلاف حركة 30 حزيران، خصوصًا داخل المؤسّسة العسكريّة، وبقايا النّظام السّابق الّتي ما زالت حاضرة بقوّة في مفاصل الدّولة، والّتي جرى استعادة غالبيّتها إلى بنية المؤسّسة الأمنيّة تحديدًا، إضافة إلى قوى اقتصاديّة كبيرة واتّجاهات سياسيّة تنظر بعين العداء إلى الإخوان. وكانت أصوات هذه المجموعات أقوى من تلك الدّاعية إلى حلّ سياسيّ سلميّ للأزمة، كالبرادعيّ مثلاً، الّذي شنّت عليه حملة قاسية وصلت إلى حدّ اتّهامه بالخيانة، ما دفعه إلى تقديم استقالته عندما تمّ اعتماد الخيار الأمنيّ لفضّ اعتصامي رابعة والنّهضة. بناءً عليه، ظهر إعلان فشل الوساطات السّياسيّة، وتوجيه الحكومة الانتقاليّة إنذارًا أخيرًا للمعتصمين بمثابة إطلاق صفّارة تنفيذ قرار الحسم أمنيًّا، ووضع مصر في مرحلة جديدة خلاصتها النّتائج الآتية: 1. إنّ فضّ اعتصامي رابعة والنّهضة هو بمثابة محاولة للقول إنّ مرحلة حكم الإخوان لمصر قد طويت نهائيًّا، من دون أن يعني ذلك طي صفحة الأزمة نهائيًّا، الّتي ولا شكّ ستدخل مرحلة مختلفة. 2. إنّ مقتضى هذا الطّيّ، أن تسارع المؤسّسة العسكريّة إلى تدعيم مرحلة الحكم الجديدة من خلال تقديم بعض الإنجازات الملموسة أو من خلال تسريع تطبيق خريطة الطّريق الّتي سبق وأعلن عنها السّيسيّ تحديدًا. 3. صحيح أنّ الإخوان تلقّوا ضربة قويّة، إلاّ أنّها ليست نهائيّة، فهم يبقون التّنظيم الأقوى مصريًّا في مواجهة الجيش، لا سيّما وأنّ خصومهم السّياسيّين ما زالوا يفتقدون إلى الرّؤية الواحدة وإلى التّماسك التّنظيميّ. إلاّ أنّ هذا لا يعني أيضًا أنّ خيارات الإخوان باتت أسهل، إذ هي تتراوح بين السّيّئ والأسوأ: السّيّئ أن يسلّم الإخوان بالهزيمة، ويتّخذوا العبر، ويمضوا إلى الاستعداد لخوض المعارك السّياسيّة في محطّاتها الدّستوريّة الأساسيّة للحفاظ على وجودهم السّياسيّ العلنيّ، واسترجاع مكانتهم السّياسيّة، بالاعتماد على قدراتهم التّنظيميّة، وحضورهم الواسع، وعلى استثمار واقع كونهم ضحيّة لما جرى. والأسوأ، أن يسلّم الإخوان بالهزيمة وبأخذ قرار بمواصلة المواجهة المفتوحة، ما قد يضع مصر على حافّة حرب أهليّة تستحضر بعض وجوه التّجربة الجزائريّة في التّسعينات. 4. صحيح أيضًا أنّ المؤسّسة العسكريّة وحلفاءها قد ربحوا معركة أساسيّة، إلاّ أنّ هذا لا يعني طيًّا نهائيًّا للأزمة المركّبة في مصر. وكثير من الأمور ستتوقّف على الطّريقة الّتي سيعتمدها العسكر في المرحلة المقبلة ، فإذا ما قرّر العسكر الذّهاب إلى النّهاية في معركتهم مع الإخوان، فإنّ هؤلاء سيجدون الذّريعة المناسبة للتّصعيد، وأمّا إذا قرّروا عكس ذلك فإنّ أبواب التّسويات، وإن بشروط وتوازنات قوى جديدة، ستبقى متاحة. 5. صحيح أنّ المؤسّسة العسكريّة نجحت في 30 حزيران في توفير الغطاء الشّعبيّ لما قامت به، وبالتّالي هي وقفت وراء النّاس لتبرّر قرار عزل مرسي، إلاّ أنّها بدت مؤخّرًا أنّها الطّرف الأساسيّ، بل وربّما الوحيد في المواجهة. وهي اليوم تقف وراء قوى سياسيّة لا تشكّل تهديدًا لها، بل أكثر من ذلك فإنّ هذه القوى بدت محتاجة للمؤسّسة العسكريّة في مواجهتها مع الإخوان أكثر من حاجتها لهذه القوى السّياسيّة. ومع توجيه المؤسّسة العسكريّة ضربة قويّة للإخوان، يمكن القول إنّها باتت الرّقم الأوّل والأكثر رجحانًا في معادلة الحكم وتوازنات القوى في مصر. يضاف إلى ما تقدّم، أنّ المؤسّسة العسكريّة خلعت ثوب الحياد الّذي كانت ترتديه تاريخيًّا، ولو ظاهريًّا، لتظهر بمثابة الطّرف الأساسيّ. 6. المآل الّذي وصلت إليه الأمور في مصر يطرح تساؤلات مشروعة حول دور الشّعوب في الانتفاضات العربيّة عمومًا ومصر تحديدًا. فالتّوازنات الجديدة، والحضور الطّاغي للعسكر، قد يؤدّي إلى إعادة هذه الشّعوب إلى ما كانت عليه سابقًا. 7. يمكن للرّياض أن تتباهى بأنّها حقّقت إنجازًا مهمًّا لمصلحتها في مصر، إلاّ أنّه إنجاز محفوف بالصّعاب والأخطار في المدى الاستراتيجيّ، سواء لسيولة الوضع المصريّ، وللتّوتّر المستحدث مع حركة واسعة كحركة الإخوان، أم لما تعانيه الرّياض من تضعضع في مكانتها الاستراتيجيّة. 8. لا شكّ أنّ تركيّا، أو لنقل العثمانيّة الجديدة، قد تلقّى مشروعها في المنطقة ضربة استراتيجيّة. وإذا ما أضيفت هذه الضّربة إلى فشلها في تحقيق إنجاز يذكر في سوريّا والعراق وفي لبنان، فإنّ الخسارة تصبح أوسع، ما قد يفرض عليها إجراء مراجعة تقويميّة شاملة لسياساتها بالنّسبة لأكثر من ملفّ أو قضيّة. 9. لا شكّ أيضًا أنّ حركة حماس الّتي راهنت بقوّة على صعود الإخوان في مصر والمنطقة، قد تلقّت بدورها ضربة قويّة، يفاقم منها خسارتها لسوريّا، ووضعها الحرج في غزّة، في الوقت الّذي تنطلق فيه المفاوضات مجدّدًا بين السّلطة الفلسطينيّة والكيان الإسرائيليّ، الّذي سيفرض عليها تحدّيات وإشكالات جديدة. 10. صحيح أنّ الغرب تعامل إيجابيًّا مع الإسلام السّياسيّ الإخوانيّ، وأقام معه تفاهمات، ووجد فيه رهانًا ممكنًا سواءًا لتمرير صفقة التّسوية مع الكيان الإسرائيليّ، أم للوقوف في وجه إيران، إلاّ أنّه لم يسقط الحذر يومًا من هذه الحركات، وهو يبقى بفضل التّعامل مع الرّكائز الثّابتة في المنطقة، أكثر من الرّكائز المتحرّكة والمقلقة في المدى المتوسّط والبعيد. وأبرز الرّكائز الثّابتة في المنطقة تتراوح بين الأنظمة والمؤسّسات العسكريّة. ولذا، ومن منطلقات براغماتيّة بحتة، ونظرًا للعلاقات الرّاسخة الّتي تربطه بالمؤسّسة العسكريّة في مصر، فهو لن يجد غضاضة في التّعامل مع الأمر الواقع الجديد. وفي هذا درس بالغ بالدّرجة الأولى للإخوان الّذين راهنوا بعيدًا في الاعتماد على الدّعم الغربيّ في تجربتهم في حكم مصر. خلاصة القول، إنّ التّطوّرات الأخيرة في مصر قد تفرض رسم معادلات جديدة في المنطقة تستند إلى مراجعات شاملة، وإعادة تموضعات للقوى المتصارعة- حركات ودول- وما علينا إلاّ الانتظار مزيدًا من الوقت لجلاء صورة المرحلة المقبلة وسماتها الجديدة في المنطقة.