في الوقت الذي نفرح لفرح الشعب الفلسطيني باطلاق دفعة من الاسرى الفلسطينين الذي افنوا حياتهم من اجل فلسطين، نرى الجولة الثانية من استئناف مفاوضات التسوية المدعومة أميركيا، رغم المطالبة الفلسطينية بعدم العودة الى مسار المفاوضات.
ان العودة الى مسار المفاوضات يأتي في ظل المخططات الامريكية المرسومة للمنطقة بهدف إبعاد العرب عن القضية المركزية حتى لا تبقى في الصدارة والواجهة، وهي بالفعل تراجعت الى أدنى درجات سلم الاهتمام العربي، وبات الفلسطينيون وكأنهم متروكون لأقدارهم، مستغرقون في التجاذبات والصراعات في ظل عدوان اجرامي استيطاني صهيوني يستهدف الشجر والحجر والبشر. وامام هذه الاوضاع الخطيرة نعلم ان السلطة الفلسطينية عادت الى المفاوضات نتيجة ضغوط مشددة مارسها الجانب الاميركي، وهي تأتي مترافقة مع الاضطراب والانقسام الى ساحات وعواصم عربية اساسية وفي مقدمتها مصر، التي أرادت الإدارة الامريكية إشعال النار فيها، ولم يعد خافياً ان المثال الابرز لذلك هو ما خططت له الولايات المتحدة في العراق وارادت رسمه عبر ما يسمى الربيع العربي، وهذا ما يحصل في تونس وليبيا واليمن وما هو مستمر في سوريا واليوم في مصر. ان العودة الى المفاوضات تجري في ظروف دقيقة وخطيرة وفي ظل اصرار امريكي على دعم دولة الاحتلال الصهيوني, وعليه فان نتائجها لن تكون تحت أي ظرف لمصلحة شعب يعاني الويلات بكافة أشكالها منذ عشرات السنين, فهذه المفاوضات أقل ما يمكن وصفها بأنها عبثية وعقيمة وهي ستذهب في مهب الرياح العاصفة, تثير الغبار الذي يعمي الأبصار ولا تترك لها أي أثر يذكر. ومن حق الفصائل وكل الحريصين على وحدة الصف الفلسطيني ان يتسائلوا على ماذا نفاوض، هل نفاوض على وطن يرضخ برمته تحت الاحتلال, هل سنقبل بحدود منقوصة السيادة, وهل سنتخلى عن القدس والمقدسات, وهل سنقبل بشطب حق العودة, فهل سنفاوض على شرفنا وكرامتنا، في الوقت الذي تعطي حكومة الاحتلال عطاءات جديدة ورخص بناء واستيطان تلتهم الأراضي الفلسطينية المحتلة عام ۱۹٦۷. إن عصر الاستعمار الأمريكي الصهيوني يعاد إنتاجه بوسائل وأساليب جديدة، وهو يحاول أن يجد له طريقا في فرض شروط الاستسلام على الشعوب العربية، وبالمقابل فإن النموذج الفلسطيني يتطلب وقفة جادة وعملية لمواجهة المخاطر التي تتعرض لها القضية الفلسطينية ورسم استراتيجية وطنية يستعيد فيها الشعب الفلسطيني تفعيل روح المقاومة والتصدي للمشروع الإمبريالي الأمريكي الصهيوني. إن أمريكا تتبع أوهام القوة المطلقة لفرض هيمنتها، وما يطمح له الأمريكي الصهيوني هو إعادة رسم خارطة العالم وفق المقاييس الأمريكية، وتغليف العدوان بشعار نشر الديمقراطية ومحاربة الإرهاب والمضيّ قدماً في تشجيع ودعم حكومة الاحتلال لاستكمال حرب الإبادة ضد الشعب الفلسطيني وحصاره وتجويعه ومحاولات كسر الصمود الفلسطيني وفرض الشروط الإسرائيلية الأمريكية والتي تستهدف أول ما تستهدف شطب الحقوق المشروعه للشعب الفلسطيني وفي مقدمتها حق العودة. إن بارقة أمل لدى الشعب الفلسطيني هي تلك الأصوات المناهضة للعودة الى مسار المفاوضات، وان هذه الأصوات والمواقف هي التي ستجسد الوحدة الوطنية وضرورة العمل الدائم لتعميقها على أسس وطنية سليمة، مثلما هو الوعي السياسي الفلسطيني المدرك لمخاطر الطرح الأمريكي الصهيوني المتمثل في خطة كيري، وهو ذر الرماد في العيون واللعب بالوقت الضائع. ختاما لا بد من القول ان الإنسان الفلسطيني معني بالدفاع عن وجوده وكيانه وإنسانيته وثقافته وتراثه الوطني، والوقوف بوجه المشاريع الأمريكية الصهيونية، وهذا ايضا يتطلب إعادة النظر من الطرف المفاوض بهذا المسار العقيم والعمل من اجل تحقيق الوحدة الوطنية الفلسطينية والتمسك بكافة أساليب المقاومة، وعندها فقط ستكون المفاوضات أكثر جدية ونجاعة.