بين السلطة الفلسطينية والإسرائيليين، هنالك مرحلة جديدة سبقتها مراحل ومراحل من المفاوضات على المفاوضات. وهذه المرحلة الجديدة هي ما كرس لها جون كيري ست جولات في المنطقة منذ توليه منصب وزير الخارجية في الولايات المتحدة. وكسابقاتها، هي مرحلة عامرة بالعراقيل التي يتطلب تجاوزها حداً أدنى من التسامح والاستعداد للتنازل من قبل طرفي الخلاف. المواقف عند نقطة الانطلاق معروفة. فالفلسطينيون يرغبون بالعودة إلى المفاوضات على أساس اعتراف إسرائيلي بحدود 1967، وبتجميد للأنشطة الاستيطانية في الأراضي المحتلة، وبإطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين الذين يقبعون في السجون الإسرائيلية منذ ما قبل اتفاقيات أوسلو الموقعة منذ عشرين عاماً. من جهتهم، يريد الإسرائيليون مفاوضات بلا شروط مسبقة. ولكن يبدو أن ضغوطات من كل نوع جعلت الفريقين يقبلان بمفاوضات على أساس تحرير جزئي وعلى مراحل للأسرى الفلسطينيين، وحل تبنته قطر، يوم كانت تتكلم باسم الجامعة العربية، على أساس حدود 1967 مع تبادل للأراضي. وبحسب كيري، يمكن أن تبدأ المفاوضات في غضون أسبوع أو أسبوعين تقريباً في واشنطن من قبل تسيبي ليفني وصائب عريقات. لذا فإن التفاؤل يفرض نفسه إذا ما كان الاعتماد حصريا على الصداقة الخاصة جداً بين هذين الشخصين. لكن السوابق والأوضاع في فلسطين والمنطقة والولايات المتحدة تدفع إلى الاعتقاد بأن أي اتفاق لن يكون من الممكن التوصل إليه خارج حدود المشيئة الإسرائيلية. تكفي ملاحظة التصرفات الإسرائيلية في عز مرحلة التحضير للمفاوضات الوشيكة لكي نستشرف مستقبل هذه المفاوضات: اعتقال طفل في الخامسة من عمره من قبل الجيش الإسرائيلي خلال قمعه مظاهرة للفلسطينيين في الخليل. قرار إسرائيلي ببناء ألف وحدة سكنية إضافية في الضفة الغربية. وقرار آخر بترحيل سبعين ألفاً من عرب النقب المحتل منذ 1948، وبالاستيلاء على أراضيهم، ويهدم بيوتهم مع إجبارهم على دفع تكاليف الهدم ! ومع ذلك، فإن أشهراً أو سنوات من المفاوضات غير المثمرة فلسطينياً تصلح في آن معاً لتغطية تنفيذ مشاريع استيطانية وتهويدية، وخصوصاً لتعزيز التحالف الضمني أو المعلن بين الكيان الصهيوني وبعض العرب والفلسطينيين. فالعودة إلى مفاوضات السلام ترتدي، بنظر رئيس وزراء الكيان، "أهمية استراتيجية حيوية في هذه المرحلة بالنسبة لـ"إسرائيل". لأن محاولة وضع حد للصراع بيننا وبين الفلسطينيين مهمة بحد ذاتها على ضوء التحديات التي تواجهنا من طرف إيران وسوريا". على هذا الأساس، يكون في نية الولايات المتحدة والكيان الصهيوني وأولئك العرب الذين يقولون بأن تحالفاً استراتيجياً يقوم بينهم وبين الولايات المتحدة، ومن ثم بينهم وبين الإسرائيليين، تأجيل القضية الفلسطينية إلى مستقبل يتوقف على المدة الزمنية التي يتطلبها القضاء على "العدوين" المذكورين. أي أنه يتوقف تحديداً على الدور الرئيسي المنوط تنفيذه بـ "الحلفاء" العرب. وعلى فرض أن هؤلاء "الحلفاء" سيتمكنون من تحقيق هذا الهدف، فإن دولة فلسطينية حرة ومستقلة ومزدهرة وقادرة على حماية نفسها سيتم تقديمها للفلسطينيين على طبق من فضة. تماماً كما كان عليه شأن المملكة العربية الموحدة التي وُعد بها أمير مكة لقاء إسهامه الثمين في تدمير الإمبراطورية العثمانية لصالح البريطانيين والفرنسيين والصهاينة. والمدهش هو أن "الحلفاء" العرب يظهرون اليوم جهوزيتهم لأن يلدغوا مرة ثانية من جحر أفعى ذات قدرات سمية أكبر بكثير مما كانت عليه في المرة الأولى. الخديعة الأولى جرى تتويجها بسايكس بيكو وتجزئة العالم العربي، تلك التجزئة المسؤولة عن حالة الخراب التي تهيمن اليوم على بلاد العرب. الخديعة الحالية ترمي إلى تجزئة المجزأ والتمكين، على طريق الشرق الأوسط الكبير، للفوضى التي تجتاح حتى الآن نصف دزينة من البلدان العربية، والتي بدأت بوادرها تأخذ أشكالاً ملموسة في البلدان العربية الأخرى. لكن الفجر يطلع من قلب الليل البهيم : إذا كانت المفاوضات العبثية تشكل جزأً من مشروع الهيمنة الأميركية-الإسرائيلية، فإن المفاوضات نفسها غنية بدلالات أخرى. إنها تؤجج منذ سنوات غضب الجماهير في فلسطين وفي العالم العربي والإسلامي كله. ففي قلب هذا الغضب تنمو بذرة الشرق الأوسط الكبير الحقيقي، ذلك الشرق العربي والإسلامي الذي سينتهي إلى الوعي بأنه يدمر نفسه بانزلاقه نحو صورة أخرى للحرب غير المباشرة التي تشنها الولايات والكيان الصهيوني على المنطقة بكل مكوناتها الدينية والطائفية والإتنية. فباعترافه أن الكيان الصهيوني وأدواته العربية هم في مواجهة مع التحديات التي تمثلها إيران وسوريا، لا يفعل رئيس وزراء العدو غير إبطال السحر الذي يغذي الفتنة. إنه يفتح أعين ضحايا الفتنة على السحرة الذين يتلاعبون بهم.