لا ينبغي الاكتفاء بالبيان السعودي الروسي، الذي لا يُعنى إلا بالجوانب البروتوكولية من لقاء الفيصل ولافروف، والذي يشير إلى أن «الوزيرين اتفقا على ضرورة انطلاق جهود حل الأزمة السورية على أساس جنيف ۱، مع الحفاظ على وحدة الأراضي والسيادة السورية والوحدة الوطنية للشعب».
فالعودة إلى موسكو سعودياً أبعد من «الاتفاق على مجموعة عمل ثنائية لمواجهة الإرهاب، وإدراك الطرفين الخطر الحقيقي لتنظيم الدولة الإسلامية(داعش)، بالإضافة إلى التنظيمات الإرهابية الأخرى»، وأهم من التوافق بديهياً «على أن ما يهم في التسوية على البرنامج النووي الإيراني ليس الاتفاق بل جودته» على ما قال لافروف أمام المتوجس الدائم سعود الفيصل، وهو يراقب ديناميكية المفاوضات الأميركية الإيرانية تقترب من تسوية ما، بدأت تتضح ملامحها، تاركة أمير الديبلوماسية السعودية، وحيداً في مواجهة الأمر الواقع، وأمام الانقلابات الإقليمية المقبلة، التي تحمل في طياتها الاتفاق المتوقع في فيينا، من دون بدائل تطمئن السعوديين.
ولن يعوّض لقاء وحيد عن أخطاء اتخاذ الروس خصوماً دائمين، وحرمان الذات من رافعة ضغط على موسكو في ملفات حيوية كإيران أو سوريا، كتطوير التجارة والتبادل والتنسيق النفطي، لمقاطعتها مثلاً حين تفرضها الضرورة. لكن حصيلة أقل من ملياري دولار من المبادلات سنويا، والارتهان في كل الصفقات، سلاحاً وبنى تحتية وتجارة، للغرب، تحرم السعوديين من فرصة التأثير على الخيارات الروسية في سوريا.
حتى أن الفيصل بدا مفارقاً للواقع، وهو يهدد الروس العام الماضي بمقاطعة بضائعهم، التي لا يشتريها أصلاً، فيما لو استمرت موسكو في سياستها السورية. وبدت المحاولات الأخرى للتعويض عن هنات الديبلوماسية وتراكم الأخطاء، مجرد طعنات سيف في صفحة ماء. بل إن السعوديين حاولوا أن يفتدوا أخطاء الماضي تجاه روسيا ب۱۵ مليار دولار، عرضها رئيس الاستخبارات السابق بندر بن سلطان على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لشراء سياسته السورية، مضيفا إلى أخطاء السياسة السعودية، خطأ إهانة «القيصر».
والأرجح أن تضافر ديناميكية ديبلوماسية أميركية في التسوية النووية الإيرانية، وأخرى روسية في تفعيل المسار السياسي السوري، عبر ترتيب صفوف المعارضة السورية في الداخل والخارج لإجلاسها على مقاعد في مواجهة ممثلي النظام في موسكو، يضع الرياض بين فكي عزلتين معلنتين. ويعكس كلاهما تراجع وزن المملكة الديبلوماسي في الملفين الأساسيين في المنطقة إزاء قطبي الغرب والشرق، الولايات المتحدة وروسيا، واستمرار تهميش نفوذها، وهو ما يشرح جزئياً التصعيد في الأمم المتحدة ضد «حزب الله» والمطالبة بوضعه على لائحة الإرهاب، وهو طلب اضطر الفيصل إلى طيه خلال اللقاء مع لافروف، الذي بات يعد «حزب الله» حليفاً في المشرق.
وتبدو السعودية ضرورية إذا ما ذهبت الأمور إلى نهايتها المنطقية في بناء عملية سياسية في سوريا، سواء لتطبيق خطة المبعوثالأممي ستيفان دي ميستورا لضبط جماعاتها المسلحة في الشمال السوري وحول حلب، أو في تسهيل ذهاب ما تبقى لها من أجنحة في «الائتلاف الوطني السوري» المعارض، الذي قد تشارك شريحة منه في المؤتمر الذي تعد له موسكو. وتبدو الزيارة أيضا استكمالا لتجميع شروط انعقاد المؤتمر السوري في موسكو، قبل وصول وفد الحكومة السورية، الذي يضم وزير الخارجية وليد المعلم ونائبه فيصل المقداد والمستشارة الرئاسية بثينة شعبان إلى موسكو الأربعاء المقبل.
وفي هذا السياق يذهب السوريون إلى موسكو مثقلين بتساؤلات كبيرة عن جدوى المبادرة الروسية، وتوقيتها، إذ تقول مصادر سورية مطلعة إن المعلم سيبلغ الشريك الروسي أن توقيت المبادرة وإحياء العملية السياسية لا يصب في مصلحة سوريا. وتعتقد دمشق أن اللحظة الراهنة تشهد انهيار المعارضة المسلحة والسياسية، وان لا داعي لإعادة تأهيلها تحت أي شعار، كما أن جزءاً من العمل العسكري ضد الجناح السلفي و» الجهادي»، من «داعش» و» جبهة النصرة» وغيرها، يصب كله في مصلحة الجيش السوري على المدى المباشر، وان الوقت في النهاية يلعب لمصلحتها، ميدانياً وسياسياً.
وبدت الحماسة الرسمية السورية لخطة دي ميستورا التي تعزز الاتجاه إلى تسوية محلية واستبعاد المعارضة الخارجية منها، وتجميد القتال في حلب أولا، رسالة غير مباشرة لموسكو والضوء الأخضر الأميركي خلفها، لطبيعة الحل الذي تريده وتفضله دمشق، خصوصا أن شقه السياسي لا يتضمن أي تعديلات مباشرة أو جوهرية في بنية النظام، كما لا يتوسل أي تغييرات في توزيع الصلاحيات ويبتعد عن روحية «جنيف ۱».
والأرجح أن المعلم سيبلغ الروس انه لا اعتراض على الخطة الروسية، رغم عدم حماسته لها، خصوصا أنها تستند إلى نسخة مخففة من «جنيف واحد»، تعيد النظر في العملية الانتقالية، وتضمن مكاناً وازناً للرئيس السوري بشار الأسد في البنيان الجديد، واحتفاظه بقسط واسع من صلاحياته. وجلي أن السوريين لا يملكون ترف الاعتراض على الاقتراح الروسي، ورغبتهم في استعادة التوازن إزاء الهجوم الأميركي في المشرق والتحالف ضد الإرهاب الذي يفوّض الأميركيين بمهمة ووجود طويل الأمد، عبر الإمساك بالملف السياسي، واستعادة المعارضة السورية في الداخل والخارج، والتي لم تحسن واشنطن، وسفيرها روبرت فورد توحيدها، لا عسكرياً ولا سياسياً.

الكاتب: محمد بلوط
المصدر: السفير