بعد مضي أكثر من خمس سنوات على بداية الأزمة السورية، والانقسامات التي شهدتها والمد والجزر في الميدان، جعلت الايام الاخيرة الماضية من معركة حلب محطةً تختصر القائم في سوريا، نظراً لأهميتها التي تطال كامل الجغرافيا السورية ودول الجوار، ولما يترتب على المنتصر فيها والمهزوم على حد سواء من نتائج كاسرة لسياسات امتدت على طول فترة الازمة، وما قبلها.

حدة مواقف المتنازعين في سوريا تشتد في كل يوم اكثر مع ارتفاع حماوة الميدان، ولعل ميزة معركة حلب هي في كونها وضعت جميع الافرقاء وجهاً لوجه لأول مرة، فمن الطبيعي أن تكون نتائجها شاملة بحيث أنها ستفرض على الجميع واقعاً جديداً لمنتصر ومهزوم وما ستؤول الى اليه الامور من اعادة تموضع للمتحالفين خصوصاً من ناحية المهزومين منهم.
واليوم وبعد أن أعلن "محور المقاومة" عبر الميدان بأن معركة حلب قد بدأت بالفعل، فإن المحور المقابل بات مقتنعاً بضرورة التجمع كحلفٍ واحد لضمان وجوده كقوة نفوذ في المنطقة حتى لا  تصيبه ارتدادات أية خسارة محتملة في داخل حدود دوله، خصوصاً مع إدراك أطراف هذا المحور التام بأن انتهاء هذه المعركة، سيظهر فشل المشروع الكبير المتمثل بإسقاط الدولة السورية، وكسر التحالف القائم من طهران نحو بيروت فقلب القدس...
 

حلب أم المعارك بالنسبة للجميع

من شوارع حلب
من شوارع حلب
ولعل رمزية حلب بالنسبة للدولة السورية وحلفائها تكمن في كسر الجماعات الإرهابية المدعومة من انقرة والرياض، والانتصار في هذه المعركة يعني القضاء على آخر موطىء قدم لهذه العواصم في الشمال السوري، ما يعني إغلاق المدى المشرع للمسلحين الى الداخل السوري.
القرار اتخذ والمعركة بدأت فعلاً وبنسق مختلف عن كل سابقاتها، وهو ما بات واضحاً بالأسلوب غير المتوقع لـ "أم المعارك" كما يحلو للبعض تسميتها، وهو ما فهمته السلطات في السعودية وتركيا. لذلك فإن عجلة التحول في علاقاتهم الخارجية شهدت تسارعاً غير مسبوق في إطار سعيهم لايجاد دور في المنطقة التي باتت تظهر فيها مكامن قوة وانتصارات محور المقاومة في كل من سوريا والعراق واليمن.
 

مسودة "التحالف الجديد".. أين إسرائيل؟

نتنياهو
نتنياهو
تركيا التي أقدمت في الشهر الفائت على  كسر المسلمات التي وضعتها طوال الأشهر الماضية في وجه كل من إسرائيل وروسيا كل على حدى، ها هي قدمت التنازلات بعد التصدعات التي رأتها في الاتحاد الأوروبي الذي كانت تلهث لتكون جزءاً منه، إلا أن أنقرة أيضاً وجدت في مصالحها المشتركة مع بنيامين نتانياهو أساساً لعلاقاتها الاقليمية، في ظل خسارة مشروعها في سوريا مع كل تقدم للجيش السوري وحلفائه.
المصالح والاهداف المشتركة لكل من تركيا واسرائيل تحتم التلاقي بينهما وهذا التلاقي تمثل باعتبار أن سوريا هي أساس الصراع في المنطقة، فتل أبيب تراقب ما يجري فيها بعناية متيقنة من أن انتهاء المعركة في سوريا والقضاء على الجماعات التكفيرية يمثل الخطر الأبرز عليها. ومن ناحيتها باتت تركيا تضيق ذرعاً بما يسمونه الأفعال الارهابية لهذه "الجماعات غير المضبوطة".
تلك المخاوف لم تعد تستشف من التصريحات الاسرائيلية فحسب، بل أصبحت أمراً معلناً هناك، وهو ما كانت وسائل اعلام اسرائيلية قد نقلته عن مسؤول أمني إسرائيلي اكد فيه بأن "هزيمة داعش من شأنها أن تضع تل ابيب في موقف صعب في ظل انسحاب القوى العظمى من سوريا وترك إسرائيل منفردة أمام حزب الله وايران"، مشدداً في الوقت عينه على أن اسرائيل ستفعل كل ما في وسعها كي لا تجد نفسها في مثل هذا الوضع".
في المقابل فإن مخاوف تركيا تصب في الاتجاه نفسه مع تنامي قوة وقدرات محور المقاومة القتالية وقدرته على الصمود بعد أكثر من خمس سنوات من المعارك المباشرة، وما أنتجه من كسر لدور تركيا في المنطقة بعد فشل سياساتها الخارجية، وما اضطر "السلطان الجديد" رجب طيب أردوغان إلى الإعتذار من الجميع والتنازل لحفظ ما تبقى له.
 

السعودية تكسر المحرمات

مصافحة سعودية-إسرائيلية
مصافحة سعودية-إسرائيلية
وبالانتقال الى الرياض فإن السعودية تتوافق الى حد كبير مع موقف تركيا وتل ابيب في هذا السياق وخصوصا في الملف السوري، وهو ما يتناسب مع صراعها طويل الامد مع إيران، لاسيما بعد انتهاء حالة التنافس مع تركيا وغيرها من الدول على منصب الحليف الاقوى في المنطقة لواشنطن بعد فشل هذا المحور في تحقيق الهدف بكسر محور المقاومة.
السعودية التي تحاول اظهار "الملك المرتقب" محمد بن سلمان على انه الصورة المشرقة لبلاده في حال وصوله، على صعيد الاقتصاد والاستثمار و”الانفتاح”، تعاني اليوم تخبطاً واضحاً بعد فشلها في تحقيق اي انتصار ميداني في كل من اليمن سوريا والعراق أو حتى في لبنان.
لذلك فإن الضربة القاضية التي تتمثل بالقضاء على الجماعات الارهابية والتكفيرية المدعومة مالياً من الرياض ولوجستيا من تركيا، فرضت نقطة تلاقٍ بين الدولتين مع "اسرائيل"، وهو ما شكل الدافع لكسر حاجز المحرمات بالتقارب مع العدو الازلي "المفترض" للرياض.
فالتنسيق السعودي-الاسرائيلي وان لم يكن هو الأول بين الفريقين، خصوصا بعد ما نشرته صحيفة "هآرتس" الاسرائيلية عن تعاون عسكري مشترك جرى في العام 1981، حين ضلت سفينة صواريخ إسرائيلية طريقها وعبرت مضيق تيران. بيد ان الجديد في هذا التنسيق اليوم هو علنيته خصوصاً في الاشهر القليلة الماضية، حيث كان لافتاً ان السعودية تصر على تخوض مساعٍ لإرضاء البيت الابيض من جهة، وتخفيف حدة النقمة عليها في العالمين العربي والاسلامي. 
 

"عقيدة اوباما" واهتمامات الولايات المتحدة الخارجية

عقيدة أوباما
عقيدة أوباما
ولعل هذه التحولات المتسارعة على مستوى التقارب قد يكون سببها الرئيسي العقيدة الاميركية التي اعلنها الرئيس الحالي باراك اوباما والتي كانت قد نشرتها صحيفة “ذا اتلانتيك”، بالكشف اهتمامات بلاده في الجزء الثاني من الكرة الارضية انطلاقا من اندونيسيا وصولاً الى اخر نقطة في أمريكا الجنوبية، والتركيز الاكبر على الصين التي تشكل هاجس واشنطن الاول والاخير في هذه الايام.

الاهتمام الاميركي هذا كان سبباً واضحا لتوتر العلاقات مع الحلفاء في الشرق الاوسط بسبب ما اعتبروه نوعاً من التخلي، لترافقه مع الاتفاق التاريخي مع ايران بشأن برنامجها النووي، وهو ما اعتبرته تل ابيب والرياض القشة التي قصمت ظهر البعير. بالاضافة الى ذلك فان اردوغان اصبح متيقنا من هذا التخلي الأميركي، بعد ما ان ترك وحيدا من قبل حلف شمال الاطلسي بعد حادثة اسقاطه الطائرة الروسية وما نتج عنها من توتر لعلاقاته مع موسكو، إضافة الى دعم واشنطن للأكراد الأعداء الازليين للدولة التركية.

 


مواجهة المستجدات

لعل الظروف الدولية والاقليمية كلها دفعت تركيا والسعودية الى التقارب بشكل مباشر من حكومة نتانياهو، في مسعى لايجاد حماية بديلة في حال صحت مخاوفهم في تخلي حليفهم الدولي عنهم، بعد تيقنهم بضرورة تشكيل ما يشبه الحلف الجديد لمواجهة محور المقاومة الذي يثبت ميدانيا تفوقه، وتقديم الحماية لاسرائيل وضمان بقاء هذه الدول في المنطقة في وجه محور المقاومة، فان الحل الميداني الذي سيحقق تقدما في السياسة قد ينهي الازمة السورية، ووجود جبهة مقابلة لمحور المقاومة تضم من تركيا والسعودية واسرائيل مع السعي إلى ضم الاردن، هو التموضع الجديد لهذه الدول وقد يؤسس لما هو أشبه بسلام قائم على الحرب الباردة بين المحورين.