ماذا بعد مقتل المتحدث بإسم تنظيم داعش أبو محمد العدناني، وأي مصير ينتظر التنظيم المذكور بعد سلسلة من التراجعات والنكسات التي منيّ بها في العراق وسوريا وليبيا؟

قبل عام ونصف إلتقيت في ضواحي بغداد بأبي عمر، قيادي سابق في تنظيم داعش، خلال عملي علىوثائقي إستقصائي حول شخصية أبي بكر البغدادي، خليفة التنظيم الأكثر دموية في العالم. منذ اللحظة الأولى للقاء كان الرجل يقول إن العقل المفكر الحقيقي خلف البغدادي هو العدناني، الشامي الذي من وجهة أبي عمر يرغب في جعل خلافة البغدادي في الشام.
عاش أبو عمر سنوات مع العدناني في سجن "بوكا " في البصرة جنوبي العراق، كما سنحت له فرصة زمالة البغدادي في عامي السجن الذين قضاهما في المعتقل الذي كان تحوّل بفعل التراخي الأميركي إلى معهد تدريب شرعي وعقائدي، لا سيما وأن الكتب التي كانوا يحتاجونها كانت تصلهم إلى خدمتهم. لعل السبب رغبة الأميركيين في محو صورة ما كان يجري في أبو غريب، فإنتقلوا من حالة الإفراط في التعذيب إلى التفريط في الأمان.

هو أبو مشروع الخلافة، ورابع أربعة إلى جانب أبو إبراهيم المصري وتركي بن علي وأبو سليمان العتيبي قبل أن ينشق عنه، أقنعوا البغدادي بإعلان دولته. يقول أبو عمر إن الرجل كان صاحب شخصية مسيطرة، سريع البديهة، وبرأيه، أنه كان يحضّر نفسه ليكون الرجل الذي يخلف البغدادي في التنظيم، لذا يمكن القول بحسب ما هو متوفر من معطيات إن الرجل كان حقا الرجل الثاني، حتى ولو كان هناك أسماء أخرى لها صفات ومسؤوليات، كما أبو علاء العفري أو أبو عمر الشيشاني أو أبو مهند السويداوي وكلّهم في المبدأ قتلوا خلال الأشهر الماضية.

ترافق مقتل العدناني ومن سبقه من قادة في داعش مع سلسلة هزائم متفرقة في العراق وسوريا وليبيا، وهو ما يؤشر في مكان ما إلى مرحلة دقيقة يعيشها التنظيم، وربما تؤشر إلى تحوّله مع الوقت من حالة "دولتية" كما حاول أن يقدّم نفسه منذ إعلان الخلافة والدولة في العام 2014 إلى جماعة تخوض حرب عصابات في أكثر من مكان في ظل قيادة بدأت تتساقط رؤوسها، بل إن رأس هذه القيادة غائب عن السمع والبصر منذ زمن، وهو كان يعوّل دوماً على كاريزما العدناني في إيصال صوته فإذ به اليوم أمام تحدي إنقطاع صلة الوصل مع الأنصار والمؤيدين وربما يدفعه هذا للظهور مجددا أو لإرسال تسجيل صوتي لينعي رفيق سجنه ومطلق دولته ومالئ فراغ إنكفائه.

يعلم التنظيم ان خليفته هو المطلوب الأول اليوم على أوراق اللعب الأميركية. أوراق "الآس" الثلاث الأولى سقطت بسقوط الأنباري والشيشاني والعدناني في عمليات إغتيال مختلفة، بقي "آس" البغدادي، وهو الذي نجا أكثر من مرة من ضربات جوية عراقية وأميركية كما أضحى معلوماً، أي أنه في لحظة ما ظهر على الرادار. 

ولأن الرادار اليوم، على ما يبدو من التوّجه العالمي لقتال داعش، شديد الحساسية وقادر على إلتقاط أضعف الذبذات، فالمتوقع من داعش أن تحاول محوّ آثار البغدادي، بينما سيكون على أعداء داعش البحث عنه حيثما كان لحرق الورقة الأخيرة.