ليس السوريون وحدهم من يترقب نتائج الاجتماعات المتعاقبة للوزيرين لافروف وكيري، والتي تهدف إلى دفع المحاولات لاستئناف نظام وقف الأعمال القتالية في عموم سوريا.أضافة الى تجفيف الأرهاب فيها.

بعد عملية واسعة، امتدت على أكثر من مرحلة، تمكّن الجيش وحلفاؤه من تحويل «الطوق بالنار» على أحياء حلب الغربية الخاضعة لسيطرة المسلحين إلى طوق مكتمل المعالم بعد وصول وحدات الجيش إلى طريق «الكاستيلّو»،

 واشرافها المباشر عبر وحدات المشاة على جزء حيوي من «الشريان» الأخير للمسلحين. هذا الانجاز يضع الوجود المسلح أمام خيارات مُرّة، فيما يفتح أمام الدولة السورية خيارات إضافية في الميدان والسياسة.

تمكّن الجيش السوري من تحقيق تقدم ميداني مهمّ يحمل رسائل سياسية ذات دلالة تقدم «نقاط دعم» للروس في اتفاقهم الذي يجري عقده مع الأميركيين عبر تمتين طوق حلب،

والتي تهدف أيضا إلى إقامة ظروف ملائمة لاستئناف المفاوضات بين الحكومة السورية والمعارضة حول الانتقال السياسي في البلاد، وكذلك التنسيق المشترك لشن عمليات مشتركة ضد مواقع "داعش" و"جبهة النصرة" الإرهابيين. بل ثمة كثر أصبحوا يدركون أن حل هذه الأزمة بات في صلب مصالحهم، بعد أن نالهم من الإرهاب نصيب.

 وبعض هؤلاء ممن ناصبوا الحكومة السورية العداء منذ بداية الأزمة، أصبحوا أكثر مرونةً في قبول وجهة النظر السورية-الروسية، التي تقول إن الأولوية هي لمكافحة الإرهاب، ثم تهيئة الظروف للسوريين للبدء بحوار يقود إلى حل سلمي للأزمة، التي دخلت عامها السادس، وباتت الشغل الشاغل لبلدان العالم، نظراً للنتائج الكارثية المترتبة على استمرارها من دون حل؛ حيث باتت نيرانها تقذف حممها هنا وهناك غير آبهةٍ بالحدود والجغرافيا.

ورغم هذا الجو الجديد، ما زال هناك من يراهن على رؤية مختلفة للحل، ويؤمن بحتمية رحيل الأسد "إن لم يكن بالسياسة فبالحرب". لا بل إنه يذهب أبعد من ذلك عبر تقديم صفقات إلى روسيا لتغيير موقفها، مغدقاً الوعود عليها في حال تخليها عن الأسد، بإعطائها دوراً يفوق دورها خلال حقبة الاتحاد السوفييتي السابق!

ربما من أجل ذلك، وتحديداً لهؤلاء الذين لا يزالون يفكرون بهذه العقلية الثأرية، أو لأولئك الذين يقولون شيئاً ويفعلون عكسه، جاء تصريح الوزير لافروف حاسماً وعنيفاً، ليقطع شكهم بيقين الموقف الروسي الثابت تجاه عدم جواز تغيير الأنظمة بالقوة، - وفي هذه الحالة سوريا -، وليضع حداً لرغباتهم وترغيبهم، قال لافروف "تستمر الدعوات المنافقة إلى تغيير النظام في سوريا، على الرغم مما حصل في العراق إثر إسقاط صدام حسين، وفي ليبيا إثر قتل القذافي بطريقة وحشية، إن أولئك الذين يتمسكون بهذه المواقف ليسوا إلا أوغاداً، أو ربما أنذالاً يستمتعون بذلك، أو لعلهم يضعون نصب أعينهم تدمير الدول والمناطق لتحقيق أهداف نفعية"، فهل وصلت الرسالة؟

استشراف سوري–روسي مبكر:

بعد أكثر من خمس سنوات من عمر الأزمة السورية، يتضح اليوم أن الرئيس بشار الأسد كان محقاً عندما حذر في وقت مبكر من الأزمة من التدخل الأجنبي في الأزمة السورية عبر دعم حمل السلاح ضد الدولة السورية؛ مشيراً إلى أن سوريا تشكل خط فالق الزلزال، وأنه عند العبث بهذا الخط ستكون أصداء وتداعيات ذلك في مناطق مختلفة".

وعاد الأسد ليكرر في كل مناسبة أن الإرهاب، الذي اشتد عوده فيما بعد، لن يحرق السوريين فقط، بل ستمتد شظاياه إلى غير مكان من العالم، واصفاً إياه بالجبل الجليدي؛ حيث قال إن "الأحداث في المنطقة ليست معزولة بعضها عن بعض، وهناك جبل كبير تحت البحر لا يمكن رؤيته".

روسيا أيضاً شاركت الدولة السورية تصوُّرها بأن الأولوية في حل الأزمة السورية هي لمكافحة الإرهاب سبيلا لحل سلمي يتفق عليه السوريون، واستشعرت مبكراً المخاطر المحدقة بالمنطقة والعالم ومنه روسيا بطبيعة الحال من جراء انفلات الإرهاب وخروجه عن السيطرة.

الرئيس فلاديمير بوتين قالها بصريح العبارة خلال اجتماعه مع سفراء روسيا ومندوبيها الدائمين في المنظمات الدولية: إن "مصير منطقة الشرق الأوسط يتوقف إلى حد كبير على ما يحدث في سوريا، التي أصبحت اليوم في قلب المواجهة مع الإرهاب".

وشدد بوتين على أن "نتيجة المعركة ضد الإرهاب يجري تحديدها الآن على الأراضي السورية".

اليوم ثمة تحدٍ يواجهه العالم. فالإرهاب تجاوز سوريا ليضرب في أكثر من مكان، متخذاً أشكالاً جديدة يصعب معها على أكثر البلدان تحصيناً منعه من تحقيق اختراقاته.

ولعل أوروبا هي أكثر من يدفع الثمن اليوم؛ حيث دخلت القارة العجوز نفقا مظلما مع الإرهاب. فبعد "جمعة باريس" الدامية وتفجيرات بروكسل، جاءت حادثة دعس شاحنة حشدا من المواطنين خلال احتفالهم بالعيد الوطني بمدينة نيس الفرنسية، ثم حادثة القطار في مدينة فورتسبورغ الألمانية، ثم قيام شاب ألماني بقتل9 أشخاص في أحد المراكز التجارية في مدينة ميونخ، وأخيراً وليس آخراً حادثة احتجاز الرهائن اليوم في كنيسة بشمال فرنسا.

وإذا كانت فرنسا وألمانيا هما الساحتان الرئيستان للعمليات الإرهابية، فإن باقي أوروبا ليس بمنأى عن هذا الخطر.

وشعارات تنظيم "داعش" الإرهابي ورسائله الترهيبية بالقرب من معالم رئيسة في إيطاليا، ونشره تهديدات بأنهم باتوا في قلب أوروبا، وأن "ساعة الصفر تقترب" - هي دليل على ذلك.

لكن إيطاليا، التي احتفظت لنفسها بموقف مختلف من الأزمة السورية، أقرت وزيرة دفاعها روبرتا بينوتي بأن الجيش العربي السوري يقاتل الإرهاب نيابة عن العالم أجمع بحربه ضد التنظيمات الإرهابية، لتستقبل بعدها روما مسؤولاً أمنياً سورياً وترسل مسؤولاً إيطالياً للتنسيق الأمني مع دمشق.

وإن مواقف تبدر من هنا وهناك تكشف أن العالم بات أكثر فهماً لما يجري في سوريا، ووسائل إعلام غربية وأوروبية باتت تتحدث بلهجة وفهم جديدين عما يجري في سوريا.

وواشنطن نفسها باتت أقرب من أي وقت مضى من الفهم الروسي لطبيعة الحل في سوريا، والأولويات التي يفرضها انتشار الإرهاب وتوسعه إلى أراضيها وأراضي حلفائها، فلم يعد "رحيل الأسد" أولوية لها.

ممثل روسيا لدى الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى في جنيف أليكسي بورودافكين قال: "من دون شك، نحن ندرك ونعرف أن الولايات المتحدة لم تعد تتحدث عن استقالة فورية للأسد".

ولافروف أعلن أن الوضع في سوريا قد تغير بشكل جدي، مشيراً إلى "بروز بوادر تمهد  لدحر الإرهابيين وتنظيم حوار سوري حقيقي".

فهل يبالغ لافروف في تفاؤله؟ أم أن العالم أصبح بالفعل أكثر استعداداً لدحر الإرهاب انطلاقاً من مستنقعه السوري وترك السوريين يقررون مصير بلادهم؟

مباحثات أمنية روسية أمريكية حول التحليقات بسوريا

وقال المتحدث الرسمي باسم وزارة الدفاع الأمريكية بيتر كوك الثلاثاء 26 يوليو/تموز، إن مباحثات الثلاثاء جرت في إطار الحوار المستمر بين الجانبين بشأن أمن التحليقات في سوريا، خاصة بعد حادث التنف، حيث قصفت القوات الجوية الروسية مواقع لقوات يدعمها التحالف الدولي.

وأكد كوك أن مباحثات الجانبين جرت بشكل بناء، مضيفا أن وزارتي الدفاع للبلدين اتفقتا على مواصلة المباحثات بشأن مسائل الأمن في هذا الإطار في المستقبل.

وكانت صحيفة "وول ستريت جورنال" قد أفادت سابقا بأن القوات الجوية الروسية قصفت في 16 يونيو/حزيران الماضي قاعدة سرية لقوات النخبة البريطانية والأمريكية في بلد التنف على الحدود مع الأردن والعراق.

بدوره حمل المتحدث باسم وزارة الدفاع الروسية إيغور كوناشينكوف قيادة التحالف مسؤولية خطر تعرض قوات للتحالف في سوريا لقصف الطيران الروسي، داعيا الشركاء في مكافحة الإرهاب إلى تبادل المعلومات حول مواقع وحدات تابعة لهم من "المعارضة المعتدلة" في سوريا.